الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الطريق إلى الوجه الآخر

19 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 19 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
حياة الشعراء غالباً ما تمثل مادة خصبة للسرد، ومن يقرأ رواية «ساعي بريد نيرودا» لأنطونيو سكارميتا، والتي تدور أحداثها حول العلاقة التي تنشأ بين ساعي البريد الشاب ماريو خمينيث وأحد أهم شعراء تشيلي بابلو نيرودا صاحب جائزة نوبل في الآداب الذي عاش حياة متخمة بالأحداث التي تستحق أن تروى، فقد كان شاعراً وثائراً ودبلوماسياً مثّل بلاده في العديد من البلاد الأوروبية، وربما الرواية بحد ذاتها قد تثير الجدل، بين من يراها بسيطة في حبكتها وشخصياتها وحتى أحداثها، وبين من يرى أنها قادرة على شد انتباه القارئ وجذبه منذ البداية.
وإذا ما تجاوزنا الجدل حول الرواية وصاحبها، ونظرنا لحقيقة أن الرواية أخذت جزءاً كبيراً من قوتها وشهرتها لمجرد ارتباطها باسم الشاعر نيرودا، فصورت علاقته المباشرة مع رجل بسيط، يتعلم منه كيف ينظر إلى الأشياء، وكيف يكتشف قوة المجاز، وكيف يمكن للكلمة أن تغيّر طريقة الإنسان في فهم الحب والعالم، وبينهما تنشأ علاقة تتجاوز حدود التعليم الأدبي؛ لأن نيرودا يصبح بالنسبة إلى الشاب نافذة على حياة أخرى، بينما يجد الشاعر في هذا الرجل العادي فرصة ليرى أثر كلماته خارج الكتب.
وهنا تحديداً تتكشف جاذبية حياة الشاعر بالنسبة إلى الروائي، فالقصائد تمنحنا إطلالة على صوت الشاعر، ولكن الرواية تكشف لنا طبقات من شخصيته، وعلاقاته، وصداقاته، والأشخاص الذين مروا في حياته، وكل ما لا تستطيع القصيدة أن تقوله؛ لأن الشاعر في قصيدته يختار ما يريد أن يظهره، أما الرواية فتتسلل إلى المسافة الفاصلة بين النص وصاحبه، وتبحث عن الإنسان الذي يقف خلف الصورة الأدبية.
الشعراء في مختلف الثقافات تركوا وراءهم حيوات غنية بالتفاصيل، تكاد تنافس قصائدهم في قدرتها على إثارة الخيال، حياة نزار قباني قد تبدو مثالاً على ذلك، فقد عاش الشاعر في منطقة عالية التوتر بين الرومانسية والسياسة، وبين الغناء للحب والانشغال بقضايا الأمة، تجده تارة شاعر المرأة وتارة صوتاً عربياً محتجاً على الهزائم والانكسارات؛ ولذلك فإن سيرته تقدم شخصية أدبية كاملة، سيرة تشبه شعره قابلة لقراءات متعددة، فهو شاعر صنع لغة قريبة من الناس، ورجل تركت المآسي أثرها في تجربته.
ولهذا فإن استعادة حياة شاعر في عمل سردي محكم لها رونق خاص مختلف عن السيرة والمذكرات، رغم أن المجتمعات العربية تغلفها الكثير من الأعراف والتقاليد وحتى القوانين، التي قد لا تجيز الخوض في تفاصيل الحياة الشخصية، لكن من الجميل أن نحاول فهم الظروف التي صنعت تلك القصائد، والإنسان الذي كان يختبئ خلف عباراتها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة