الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أدبيات في حضرة الألم

19 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 19 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قبل فترة من الزمن، كنت في مجلس يضم بعض المقربين، شاهدت أحدهم وقد بدت عليه علامات التعب والإرهاق بسبب مضاعفات السكري، أحد الحضور سأله عن أحواله، وبعد تردد، أجاب الحمد لله، إلا أن السائل أعاد السؤال بإلحاح، وكأنه يريد المزيد من التفاصيل، بينما ظهر على المريض الوجوم والضيق، لكنه اكتفى بقول الحمد لله، هذه هي حالي.
في تلك اللحظة كنت أتمنى أن يتوقف السائل عن الإلحاح، وأن يكتفي بإلقاء التحية، حتى لا تتحول الزيارة إلى حمل وثقل على ذلك المريض؛ فالإنسان عندما يصيبه الوهن والمرض، يبدأ في الاعتزال والابتعاد عن الناس، ولا يبقى له إلا المقربون الأوفياء، المريحون في التعامل، الذين يحسنون اختيار كلماتهم بلطف وانتقاء، حتى لا يثقلوا على المريض مرتين، مرة بسبب مرضه، ومرة بسبب كلماتهم.
الحقيقة أن هناك قطاعاً واسعاً من الناس، لا ينتبهون لمثل هذه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة عند التعامل مع الفئات الأشد ضعفاً في المجتمع، وتلك التي تعاني المرض، وأعتقد أن الجيل الجديد تحديداً، هو الأكثر ابتعاداً عن مثل هذه المهارات في التعامل. أما الفئات الأكبر سناً، وبحكم الخبرات الحياتية والتجارب العديدة التي مرّت بهم، فقد اكتسبوا الكثير من المهارات والطرق والأساليب، التي تمكنهم من الوعي والفهم بمتطلبات الزيارة ومتى تقال الكلمات المحملة بالأمل والتطمين، ومتى تقال كلمات التشجيع، وأين يتوقف سؤالهم ومتى يبدأ.
هناك كثير من الآداب والقيم، في تعاملاتنا الحياتية، والمدرسة الوحيدة لاكتسابها هي من الآباء والأجداد، ومن الأقران والمجتمع، وهي تراكمات للخبرات والتجارب والممارسات الحياتية التي تمر بنا؛ لذا لا غرابة أن يكون كثير من الأربعينيين، ومن تجاوزها، ذوي حكمة ونضج إنساني في التعامل والتصرف.
أحد هؤلاء الأربعينيين، وفي المجلس نفسه، قال وهو يوجه حديثه لنا جميعاً: «أنا أيضاً أعاني السكري، وأتعامل معه بما يحتاج إليه لتجنب مضاعفاته المعروفة، ولله الحمد، كل يوم نسمع عن ابتكار جديد وعلاجات جديدة، نحن نمارس مختلف شؤون حياتنا؛ لذا كل من يعاني السكري، لابد أن يكون لديه وعي وفهم بحالته، وهو لا يمنع النشاط ولا الاجتماع مع الناس». ومع أن كلماته كانت قصيرة ومحدودة، لكنها كانت سبباً في أن تشرق الابتسامة في وجه ذلك المريض.
أما ذلك الأربعيني، فلم يكن يعاني السكري، لكن أراد أن يوجه رسالة بأن المرض ليس عيباً، ولا سبباً للحزن، ثم كانت كلماته لنا جميعاً بأن نحسن الحديث، وكيف نتناول مثل هذه الموضوعات في حضرة إنسان يعاني ألماً جسدياً، فلا نزيد عليه ألماً آخر وهو ألم النفس بسبب عدم الوعي والمعرفة بوقع كلماتنا وقسوتها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة