لحظة تاريخية فارقة، يقف أمامها اليوم النظام الإيراني تتجلى فيها حقيقة المثل العربي القديم: «اتسع الخرق على الراتق»، إذ لم تعد أدوات الترقيع السياسية والاقتصادية، التي اعتمدت عليها طهران لعقود طويلة، قادرة على العبور بالبلاد فوق بحر المتغيرات العاتية التي تعصف بها من الداخل والخارج على حد سواء.
يتشكل التحدي الأكبر لشرعية النظام من الداخل الإيراني، حيث تعاني البلاد أزمة اقتصادية خانقة نتجت عن تضافر العقوبات الدولية المشددة مع الإدارة البيروقراطية وتفشي الفساد الهيكلي.
مؤخراً اعترف الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بوجود صعوبات بالغة تواجه بلاده في تأمين واستيراد السلع للأسواق المحلية، مؤكداً أن الأوضاع الراهنة تستدعي إيجاد حلول جذرية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والتجارية المتصاعدة.
إن معدلات التضخم المتصاعدة، والهبوط الحاد في القيمة الشرائية للعملة المحلية، فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة بين الفئات الشابة، أدت جميعها إلى تآكل الطبقة الوسطى التي طالما شكلت صمام أمان لاستقرار المجتمع.
ولم يعد الشارع الإيراني يرى في الشعارات الأيديولوجية تعويضاً عن الغلاء وتراجع مستوى المعيشة. إن حالة الاحتقان المتراكمة والتظاهرات الفئوية والمجتمعية المتكررة تعكس اتساع الفجوة بين تطلعات جيل جديد يطمح إلى الانفتاح والتنمية، وبين أطر سياسية مأزومة تبدو غير قادرة على تقديم حلول ملموسة لمشكلات الحياة اليومية.
في نفس السياق، تحول مضيق هرمز من ورقة ضغط تستخدمها إيران لابتزاز العالم إلى عبء يثقل كاهل طهران، إذ توعد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إيران بعقوبات جديدة قريباً بهدف عزلها اقتصادياً، مشيراً إلى أن عقوبات جديدة يُتوقَّع أن تُعلن الأسبوع المقبل.
وقال في تصريحات تلفزيونية، إن التدابير ستكون مزيجاً من العزلة الاقتصادية التي لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل، مضيفاً أن الحصار المستمر في مضيق هرمز سيحول دون دخول أي شيء إلى الموانئ الإيرانية أو الخروج منها.
ومما لا شك فيه أن فشل النظام الإيراني أوقع طهران في عزلة دولية، وقد دانت 32 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك، الأربعاء، قيام السلطات الإيرانية بمواصلة «عمليات إعدام المتظاهرين» على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البلاد قبل أشهر.
ورأت هذه الدول أن «استخدام العقوبة القصوى لإسكات الانتقادات، وترهيب المجتمعات ومعاقبة أولئك الذين يمارسون حقوقهم الأساسية، لا يمكن تبريره على الإطلاق»، داعية طهران إلى «الكف فوراً عن تطبيق عقوبة الإعدام، والإفراج من دون إبطاء عن كل الأشخاص المعتقلين تعسفياً».
وطالبت الدول الموقّعة طهران بالإصغاء إلى صوت شعبها الذي يطالب بالتغيير.
وبين أيديولوجية متصلبة وواقع متسارع، يجد النظام الإيراني نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة تعريف مصالحه الوطنية بمرونة تقوم على مبادئ حسن الجوار وعدم استهداف الناقلات في مضيق هرمز والتكيف مع واقع داخلي وإقليمي يتغير بسرعة، أو مواجهة التداعيات المحتومة لاتساع خرقٍ لم يعد يستجيب لراتق فشل في معالجته.
