لا تبدو أزمات المنطقة اليوم وكأنها تتحرك في مسار واحد. فالتوتر في مضيق هرمز، والهجمات الإيرانية المتكررة على سفن مرتبطة بشركة «أدنوك»، وتعطيل النشاط في ميناء المخا قرب باب المندب، والخلاف الإيراني – القطري حول مصير طيارين إيرانيين، والتحركات العسكرية الأمريكية، وهشاشة الجبهة اللبنانية، كلها ترسم مشهداً يتسع جغرافياً ووظيفياً، بدلاً من أن يبقى محصوراً في مواجهة واحدة. وهذه هي الصورة التي يصفها الفكر الاستراتيجي بمفهوم «التصعيد الأفقي».
والمقصود بهذا النوع من التصعيد ليس استخدام قوة نارية أكبر على الجبهة ذاتها، وإنما نقل الضغط إلى ساحة جديدة أو فتح مسار مختلف للصراع. لذلك لا تقاس خطورته بحجم كل حادثة منفردة فقط، بل بتزامن الأزمات وتراكمها واتساع المساحة التي تتحرك فوقها المواجهة.
مضيق هرمز يقدم المثال الأكثر وضوحاً. فقد أدانت دولة الإمارات العربية المتحدة الهجوم الإيراني العدائي الذي استهدف سفينة مرتبطة بشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، واعتبرت استهداف الملاحة التجارية واستخدام المضيق للإكراه الاقتصادي أو الابتزاز من أعمال القرصنة التي ينفذها الحرس الثوري الإيراني. وفي قراءة سياسية أوسع، فإن تكرار استهداف سفن تجارية مدنية يحمل سمات الإرهاب البحري، إذ يتجاوز حادثاً منفرداً إلى نمط من العنف والإكراه يهدد سلامة الملاحة وأمن الطاقة والتجارة.
لكن هرمز ليس الجبهة الوحيدة. ففي الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية، توقفت الأنشطة التجارية والبحرية في ميناء المخا بعد تعرضه لأكثر من خمسة وعشرين صاروخاً في هجمات حوثية خلال أيام، أسفرت عن سقوط قتلى وخسائر قدرت بنحو ستة عشر مليون دولار. والمخا يقع قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهنا تظهر إحدى أخطر سمات التصعيد الأفقي: ليس من الضروري إغلاق المضيق نفسه كي يتحقق أثر استراتيجي، فقد يكفي استهداف الموانئ أو منشآت الدعم لرفع المخاطر وكلفة النقل والتأمين وإرباك حركة التجارة.
وفي الوقت ذاته، تتحرك حاملة الطائرات الأمريكية «جورج واشنطن» من المحيط الهادئ باتجاه الشرق الأوسط لتحل محل «أبراهام لينكولن» التي طال انتشارها دعماً للعمليات المرتبطة بالحرب مع إيران. وقد يكون التحرك في أساسه عملية إحلال عسكري، لكنه يكشف أن الأزمة باتت تستهلك موارد عسكرية أمريكية كبيرة وتفرض حضوراً بحرياً ممتداً، بما يعني أن واشنطن تتعامل مع المسرح الإقليمي باعتباره أزمة مفتوحة لا حدثاً عابراً.
ثم انتقل التوتر إلى المجال الجوي الخليجي عبر الخلاف بين قطر وإيران بشأن طيارين إيرانيين. الدوحة نفت احتجاز أي طيارين، وقالت إن طائرات إيرانية انتهكت مجالها الجوي ولم تستجب لمحاولات الاتصال، وإن فرق البحث والإنقاذ عثرت لاحقاً على رفات أحد الطيارين. وفي المقابل تتمسك طهران برواية مغايرة مزعومة بدون دليل. وأياً تكن مآلات الخلاف، فإن انتقال الاحتكاك من البحر إلى المجال الجوي يضيف ساحة جديدة يمكن أن تنتج عنها أزمات دبلوماسية وأمنية يصعب ضبطها.
أما لبنان، فيبقى الجبهة الأكثر قابلية للاشتعال السريع. فقد قُتل أحد عشر شخصاً على الأقل في غارات إسرائيلية على الجنوب، فيما قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية لحزب الله وقائداً في قوة الرضوان، وحذر الحزب من الرد. وإذا تطورت هذه الحلقة إلى مواجهة أوسع، فإن المنطقة ستجد نفسها أمام جبهة لبنانية نشطة بالتزامن مع ضغط هرمز والهجمات الحوثية والتوترات الجوية.
ولا يعني ذلك أن كل هذه الأحداث تصدر بالضرورة عن غرفة قيادة واحدة. فالتصعيد الأفقي قد ينشأ أيضاً عندما يخلق صراع رئيسي بيئة تسمح للحلفاء والوكلاء والفاعلين المحليين باستثمار اللحظة وفتح نقاط ضغط جديدة. والخطر أن يتحول التزامن إلى سلسلة تفاعلات متبادلة، بحيث يولد كل رد فعلاً آخر في مسرح مختلف.
المستقبل القريب يفتح ثلاثة مسارات: استمرار الاستنزاف تحت سقف الحرب الشاملة، أو انزلاق مفاجئ نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث كبير، أو اتجاه الأطراف إلى ترتيبات تهدئة متوازية بعدما تصبح كلفة تعدد الجبهات أعلى من مكاسبها.
وفي وسط هذا المشهد المضطرب، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة التمسك بمقاربة تجمع حماية السيادة والمصالح الوطنية مع الدبلوماسية وخفض التصعيد والدفاع عن حرية الملاحة والاستقرار الإقليمي، وهي مقاربة تنطلق من أن أمن المنطقة يُصان بمنع اتساع الأزمات لا بتوسيعها.
الخطر الحقيقي في التصعيد الأفقي أنه يجعل خريطة الصراع أكبر من قدرة أي طرف على التحكم الكامل فيها. فكل جبهة جديدة تزيد احتمالات الخطأ وسوء التقدير، وترفع كلفة الحماية والطاقة والتجارة. وقد لا تكون المرحلة المقبلة حرباً إقليمية كبرى بالمعنى التقليدي، بل سلسلة أزمات صغيرة ومتزامنة تنتقل من البحر إلى الجو، ومن الموانئ إلى الحدود، وتبقي المنطقة عند مستوى مرتفع من التوتر، وعندها قد تكفي شرارة واحدة في ساحة جانبية لفتح جبهة لم تكن في حسابات أحد.
* دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
