الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ماذا ربحت الصين من حرب لم تشارك فيها؟

18 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 18 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تغب الصين عن حسابات وتحليلات مراكز البحث الكبرى حول مآلات الحرب الأمريكية الإيرانية، فبداهة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد صنّفت -وفق «وثيقة استراتيجية الأمن القومي»- الصين بوصفها «التحدي الجيوسياسي الأكثر أهمية»، في ولاية الرئيس ترامب الأولى، ولا يزال هذا التصنيف سارياً، فكل خطوة لواشنطن على المسرح الدولي لا يمكن تحليل أبعادها من دون الإشارة إلى موقع بكين فيها، نظراً لحرص واشنطن على تحجيم دور الصين اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً ودولياً، إذ ترى واشنطن أن كل تقدم للصين هو في المحصلة تراجع لمكانة الولايات المتحدة.
لذلك، فإن أهمية الحرب الأمريكية الإيرانية لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، لكن أيضاً في ما يمكن لهذه الحرب أن تحدثه من تحولات في بنية النظام الدولي، ففي كل الحروب الكبرى التي عرفها العالم منذ بداية القرن العشرين، لم يكن الهدف إعادة توزيع النفوذ فقط، وإنما أيضاً التأثير في خريطة قيادة النظام الدولي، ومن هذه الزاوية فإن الصين تبدو من أبرز المستفيدين من الحرب الأخيرة، على الرغم من أنها ليست طرفاً فيها، فقد كشفت هذه الحرب أن منافسها الأمريكي لديه فجوة كبيرة بين تفوقه العسكري وبين قدرته على تحويل التفوق إلى نتائج سياسية واستراتيجية حاسمة.
لقد قام النظام الدولي الذي أعقب الحرب الباردة على اقتران عنصرين، الأول امتلاك الولايات المتحدة قوة عسكرية لا يضاهيها منافس، والثاني يتمثل في قدرتها على استخدام هذه القوة في تشكيل البيئات الإقليمية وفق أولوياتها، غير أن الحرب الأخيرة المستمرة أعادت طرح السؤال الذي سبق أن أثارته تجربتا العراق وأفغانستان، وهو: إلى أي مدى ما تزال القوة العسكرية الأمريكية قادرة على فرض إرادة سياسية مستقرة ودائمة؟
وإذا كان تعثر الحسم في الحرب الأخيرة ضد إيران، يمثل مشكلة استراتيجية للولايات المتحدة، فإنه يشكل في الوقت نفسه مكسباً نسبياً للصين، التي تقوم رؤيتها للنظام الدولي على الحد من قدرة واشنطن على احتكار تعريف القواعد وفرضها، فالصعود الصيني لا يعتمد فقط على زيادة موارد بكين الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وإنما يستفيد أيضاً من تراجع الفاعلية السياسية للقوة الأمريكية، وكلما ازدادت كلفة ممارسة الولايات المتحدة لقيادتها الدولية، من دون أن تتمكن من إنتاج نتائج مستقرة، ضاقت المسافة بينها وبين منافسها الصيني في ميزان القوة والنفوذ.
موقف بكين من الحرب الجارية تتداخل فيه معطيات عديدة، فهي المشتري الأكبر لصادرات النفط الإيراني بنسبة تصل إلى أكثر من 80% منه، أي نحو 13% من الاحتياجات النفطية للصين، التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في تقديم دعم عسكري مباشر لإيران، فمثل هذا التوجه يتنافى مع منطقها في إدارة الصراعات، كما أنه قد يدفع نحو تصعيد مباشر مع واشنطن، وهي أيضاً تريد بقاء إيران دولة قادرة على مقاومة الضغوط الأمريكية، لكنها لا تريد تحمّل تكاليف الدفاع عنها، وتريد الحد من الهيمنة الأمريكية في الخليج، من دون أن ترث المسؤوليات الأمنية التي تحملتها واشنطن في المنطقة.
لكن، وعلى الرغم من هذه الحسابات المتداخلة للصين تجاه الحرب الجارية، فإن الحرب من الناحية الفعلية منحت بكين فرصة لتعزيز سرديتها السياسية الداعية إلى التسويات واحترام مبدأ سيادة الدول، في مقابل قوة أمريكية تستخدم الحرب والعقوبات لتغيير سلوك خصومها، حيث إن بكين لا تطرح نفسها معنية بتقييم طبيعة الأنظمة السياسية، ولا ترفع شعارات الحرية والديمقراطية للشعوب كتمويه عن الأسباب المصلحية الفعلية، ولا يعني ذلك أن الخطاب الصيني يعكس بالضرورة سياسة خالية من الإكراه، لكن فعاليته تزداد عندما تخفق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها المعلنة.
ومن الناحية المباشرة، فقد كشفت الحرب الأخيرة عن فجوة بين الشعار والممكن في السياسات الأمريكية، وهو ما ستقوم بكين بإعرابه لمصلحتها في مفاوضاتها مع واشنطن، في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة والطاقة، فإذا كانت الولايات المتحدة أعظم قوة عسكرية عالمية لم تتمكن من حسم حربها مع دولة إقليمية متوسطة، فعليها أن تكون حريصة في التعامل مع قوة عالمية مثل الصين، خصوصاً أن الرئيس ترامب بالغ بشدة في رفع سقف التحدي لبكين، من خلال الضرائب المرتفعة على الصادرات الصينية لبلاده، وفرض قيود على استيراد عدد كبير من المنتجات.
لم تحتج الصين إلى إنقاذ إيران كي تستفيد من بقائها، ولم تحتج إلى دخول الحرب كي تستفيد من تعثر خصمها، وقد حافظت على مواردها، وتجنبت الاستنزاف، واحتفظت بعلاقاتها مع الأطراف المتعارضة، فيما ازدادت حاجة المنطقة إلى دورها الاقتصادي والدبلوماسي، وبالتالي، فإن الحرب عززت من الاتجاه الذي يقوم على صعودها، مع تراجع قدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام الدولي بشكل منفرد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة