في زمن الموضة هذا، صار التركيز على اقتناء السلع نمط حياة وهوساً ينتشر كفيروس يصيب الجميع بلا استثناء؛ فقراء وأغنياء. فقد رسخت العولمة ثقافتها بحيث أصبح الإنسان كائناً استهلاكياً بامتياز، ينظر لكل شيء كسلعة، حتى الفنون والآداب والثقافة التي تحولت منتجاتها بالفعل إلى مواد استهلاكية يتم الترويج لها بذات الطريقة التي يُروّج بها للبضائع. إذ إن هذا النمط الحياتي الذي يعتمد على حب التملك أضحى جزءاً من هوية البشر وقيمتهم الاجتماعية؛ فما عادت هذه السلع الاستهلاكية مجرد وسائل لتلبية الاحتياجات البيولوجية للأفراد، بقدر ما أنها صارت غاية ثقافية تحرك المجتمعات.
وإذا كانت الموضة تُغري الأثرياء أصحاب الأموال الفائضة، فلماذا أصبح هذا الهوس يصيب الفقراء كذلك؟ ولماذا نرى جحافل من العمال والطلبة والموظفين من محدودي الدخل يتابعون العروض بشغف شديد؟ يرى الفيلسوف رولان بارت أن سمات عيش الأثرياء تصبح سائدة ومهيمنة بحيث يسعى الجميع إلى تقليدها بحثاً عن الرفاهية، حتى وإن كانت بوسائل محدودة. فضلاً عن أن ثقافة العصر التي تعتمد على الاستهلاك والتبضع والتسوق كقيم ثقافية جديدة فرضت نفسها بقوة، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف النقالة التي صارت متاحة لكل فئات المجتمع، بحيث لم يعد الولع بالموضة حكراً على الأغنياء فقط.
والواقع أن هناك العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا في ظاهرة الاستهلاك وهوس التملك، وقدموا أشكالاً من التحليل تضمنت تفكيكاً عميقاً لكيفية تحول السلع من أدوات نفعية إلى رموز تعمل على تشكيل وعي الإنسان الحديث وعلاقاته، وبشكل ومضمون يتجاوزان الفكرة التقليدية لعملية الشراء نحو التعمق في دراسة الاستهلاك كنظام لغوي وثقافي متكامل. وعلى هذا النحو، يرى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن البشر لا يستهلكون الشيء لمنفعته الذاتية، بقدر ما يستهلكون قيمته الرمزية والتفاضلية؛ فالسيارة، على سبيل المثال، تتحول إلى مظهر يرمز إلى الثراء والمكانة الاجتماعية، إذ إن الاستهلاك الحديث هو شراء «علامات» لتمييز الذات عن الآخرين.
وفي هذا العصر الحديث الذي تهيمن عليه وسائل الإعلام، تشكّل الشبكة العنكبوتية فضاءً تسيطر عليه العلامات والصور والرموز التجارية؛ فهي التي تصنع الواقع. إذ إن هذه العلامات والصور تصنع رغبة هوسية بالصورة المرسومة للمنتج بدلاً من المنتج نفسه.
ولعل ذلك الحديث يعيدنا إلى أطروحة المفكر الألماني هربرت ماركوز عن الثقافة السوقية الحديثة التي صنعت حاجات زائفة عبر وسائل الإعلام والإعلانات؛ إذ إن الإنسان يشعر بالسعادة فقط من خلال الاستهلاك، ما يقود إلى تسطيح وعيه ليصبح مجرد إنسان ذي بعد واحد.
