ما هو سرُّ رسوخ الأدب الكلاسيكي في مجالات السرد؟ ولماذا تخلد أسماء كتاب مثل: تولستوي، وفيكتور هوجو، ودوستويفسكي، وأنطوان تشيخوف، وغارثيا ماركيز وغيرهم، بينما لا تكاد تمسك الذاكرة بأسماء المؤلفين المعاصرين والجدد؟ وعلى ذات النسق، كيف عاشت أعمال مثل: «الحرب والسلام»، و«الإخوة كارامازوف»، و«البؤساء»، و«مئة عام من العزلة»؟ بينما لا نكاد نحفظ عناوين الأعمال الراهنة، والتي تبدو وكأنها كُتبت من أجل قراءة عابرة في زمن عابر.
ولعلَّ المتأمل في هذه الأعمال القديمة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، يكتشف أنَّ تلك الروايات والقصص لم تعش بيننا طويلاً بمحض الصدفة، بقدر ما أنها تمتلك ما يشبه «الشفرة الجينية» التي تجعل منها كتابات عابرة للزمان والمكان والحدود، فقد دخلت تلك المؤلفات إلى ثقافات الشعوب وأضافت إليها وتفاعل الناس معها، بحيث لم يعد دوستويفسكي، على سبيل المثال، كاتباً روسياً فحسب، بل عالَمياً بحضور وألق لا يبلى.
وربما كان من أكثر العوامل التي جعلت هذه الكتابات تكتسب صفة الديمومة، أنها ركَّزت بشكل كبير على الطبائع والغرائز البشرية الثابتة التي لا يغيرها الزمن، مثل: الخير والشر، والجشع والكرم، والحب والانتقام، والبحث عن العدالة؛ فهي مؤلفات تنتج عوالم يجد فيها الإنسان على مر العصور نفسه. إذ إنَّ هذه الكلاسيكيات لم تكن مجرد تسلية، بقدر ما تضمنته من مشاريع فكرية وفلسفية؛ فنجد أنَّ فيكتور هوجو، على سبيل المثال، لم يكتب مجرد قصة ممتعة في «البؤساء»، بقدر ما قام به من تشريحٍ للنظام الاجتماعي، وتأكيدٍ على أهمية قيم الرحمة والعدالة وسيادة الأخلاق الفاضلة.
كذلك فإنَّ هذه الروايات والقصص طرحت، بشكل مبسط وبأدوات الأدب، الأسئلة الوجودية الكبرى التي ظلت تشغل البشر؛ إذ نجد أنَّ كاتبَيْن مثل تولستوي ودوستويفسكي قد غاصا، بمقدرة كبيرة، في أسئلة تتعلق بالمعتقدات والأخلاق ومعاني الحياة، وهي أسئلة وقضايا يواجهها الإنسان في كل جيل.
والواقع أنَّ الأعمال الأدبية الكلاسيكية تفعل في النفس فعل السحر، بحيث لا تبقى في الذاكرة أسماء الكتاب والنصوص السردية فحسب، بل كذلك الشخصيات الروائية التي عاشت بين البشر وكأنها شخوص حقيقية، يذكرونها في كل حين، ويحتفون بمقولاتها وأفعالها.
وحتى في عالمنا العربي، فإنَّ الذين شهدوا تأسيس الرواية العربية الحديثة وسطروا مجدها، من أمثال: نجيب محفوظ، والطيب صالح، وغسان كنفاني، وإدوارد الخراط، وإميل حبيبي، قد خُلدت أعمالهم؛ ولا يزال الكثير من القراء في مختلف أنحاء الوطن العربي يطالعونها ويعيدون قراءتها مرات ومرات، بينما لا تكاد تُذكر أسماء وأعمال الكتاب الجدد إلا قلةٌ سارت على ذات النهج الذي اختطه جيل التأسيس.
