في عالم تتداخل فيه النزاعات والنزوح وتغير المناخ مع الفقر وضعف الأنظمة الصحية، لم يعد العمل الإنساني مقتصراً على إيصال المساعدات بعد وقوع الأزمات، بل أصبح يشمل حماية المجتمعات من الأخطار الصحية قبل تفاقمها. وتأتي مكافحة الأمراض المعدية في صميم هذه المسؤولية.
تكشف الأرقام حجم التحدي الذي يواجهه العالم، ففي عام 2024 سجَّلت منظمة الصحة العالمية نحو 282 مليون إصابة بالملاريا و610 آلاف وفاة بسببها، فيما شكل الأطفال دون الخامسة نحو 75% من وفيات المرض في الإقليم الإفريقي. كما تُشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف إلى أن 13.5 مليون طفل حول العالم لم يتلقوا أي لقاح روتيني خلال عام 2025.
وراء كل رقم من هذه الأرقام قصة إنسان حرمته الجغرافيا أو الأزمات أو الفقر من حق أساسي في الوقاية والعلاج. فالأمراض المعدية تنتشر بصورة أكبر حين تضعف شبكات الرعاية الصحية، وتتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، ويصعب الوصول إلى اللقاحات والأدوية والفحوص المبكرة. وقد يتحول مرض يمكن الوقاية منه أو علاجه إلى تهديد واسع النطاق، لا بسبب غياب الحلول الطبية، بل بسبب تعذر وصولها إلى من يحتاجون إليها في الوقت المناسب.
إن إنقاذ المصابين يظل ضرورة إنسانية عاجلة، لكن الأثر الأعمق يتحقَّق عندما نمنع الإصابة من الأساس. فاللقاحات، والترصد الصحي، والتشخيص المبكر، ومكافحة نواقل الأمراض، وإتاحة العلاج، وتدريب العاملين الصحيين، كلها وسائل تحمي الأرواح وتحد من انتقال العدوى وتقلل حاجة المجتمعات إلى التدخلات الطارئة.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن كل دولار يُستثمر في العلاج الوقائي للأمراض المدارية المهملة يمكن أن يحقق نحو 25 دولاراً من المنافع الاقتصادية للمجتمعات المتأثرة. ويعكس هذا العائد أن الوقاية من المرض لا تحمي حياة الإنسان وصحته فحسب، بل تقلل أيضاً من كلف الرعاية، وتحافظ على قدرة الأفراد على العمل والتعلّم، وتعزز إنتاجية المجتمعات. ومن هذا المنظور، فإن تمويل القضاء على الأمراض هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري والتنمية والاستقرار.
ويكتسب الاستثمار في العاملين الصحيين أهمية خاصة؛ فهم أول من يكتشف تفشي الأمراض، ومن يصل باللقاحات والعلاج إلى القرى النائية ومخيمات النزوح والمجتمعات المهمشة. ومنح هؤلاء العاملين التدريب والأدوات والحماية اللازمة ليس مسألة تشغيلية فحسب، بل هو استثمار مباشر في قدرة العالم على منع الأوبئة والتصدي لها وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ومن أبوظبي، يعمل المعهد العالمي للقضاء على الأمراض المعدية (GLIDE) على تسريع القضاء على الملاريا وشلل الأطفال والأمراض المدارية المهملة، بالتعاون مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية. وتعزز هذه الجهود الاستثمار في الوقاية والصحة العالمية.
ولا تستطيع دولة أو مؤسسة مواجهة هذه التحديات منفردة؛ فالأمراض لا تعترف بالحدود، وأي فجوة في الوقاية قد تتحول إلى خطر يتجاوز المجتمع الذي ظهرت فيه. لذلك، يتطلب التقدم المستدام تبادل البيانات والخبرات، وتمويل البرامج التي تقودها الدول، وتعزيز الأنظمة الصحية المحلية، وضمان وصول أدوات الوقاية والعلاج إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رصد الأمراض والتنبؤ بمناطق انتشارها.
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، علينا ألا نكتفي بتكريم العاملين في الخطوط الأمامية، رغم استحقاقهم منّا كل تقدير، بل أن نوسِّع مفهوم العمل الإنساني ليشمل من يمنعون الأزمات الصحية قبل وقوعها. فالإنسانية لا تقاس فقط بعدد الأرواح التي ننقذها، بل أيضاً بعدد الأرواح التي نحميها من أن تصبح في حاجة إلى الإنقاذ.
* الرئيس التنفيذي للمعهد العالمي للقضاء على الأمراض المعدية (GLIDE)
