في خضم تبادل التهديدات بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار إلى واشنطن لمعرفة حجم «العقوبات القاسية» التي توعدت واشنطن باتخاذها ضد طهران، حتى تقبل بصفقة لإنهاء الحرب، دون استبعاد أن يتم تعديل هذا التوجه في آخر لحظة، بالنظر إلى الجهود الدبلوماسية المتسارعة لخفض التصعيد وإيجاد صيغة للعودة إلى مسار المفاوضات.
لا تتسم المواقف في واشنطن وطهران بالوضوح الكافي الذي يسمح بتحديد الآفاق الممكنة لهذا الوضع، فهناك فجوة واسعة بين الخطابات السياسية والواقع الميداني والدبلوماسي، فمن جهة، يؤكد الرئيس دونالد ترامب أن إيران فقدت معظم قدراتها العسكرية والتقنية، وأنها تريد التفاوض، ثم يعلن لاحقاً أنه لا يعرف أصلاً مع من يتفاوض، أما وصفه مضيق هرمز بأنه «أرض أمريكية» فيطرح تساؤلات خطيرة حول طبيعة رؤية واشنطن للممرات الدولية، ومدى جديتها في إيجاد حلول للأزمات القائمة بدل تعقيدها.
بالمقابل، لا تبدو المواقف في طهران أفضل حالاً، فالتناقضات والتباينات ظاهرة للعيان في الخطاب السياسي الذي يراوح بين ادعاء الصمود والرغبة في إنهاء الحرب. ويعكس هذا التناقض صراعاً مكتوماً بين التيار المحافظ المتمسك بأيديولوجية المواجهة، والتيار البراغماتي الطامح إلى إنهاء العزلة الدولية عن البلد منذ عقود، ورفع العقوبات والانخراط تدريجياً في المنظومة العالمية، بعيداً عن سياسة المحاور والتوترات المزمنة.
الغموض المتبادل بين واشنطن وطهران، والفجوة المتسعة بين التهديد والرغبة في الحوار، يرفعان من احتمالات سوء التقدير الميداني، ويجعلان أي جهود للتهدئة مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج، في ظل غياب قنوات اتصال مباشرة وموثوقة. وقد تكون هذه الساعات حاسمة لتحديد المسار الذي ستسلكه المنطقة، حيث تتأرجح الخيارات بين حافة الهاوية والانفراجة الدبلوماسية المفاجئة، فإما أن تدفع الضغوط الاقتصادية والميدانية الطرفين نحو الجلوس إلى طاولة مفاوضات غير مباشرة، وإما أن يؤدي أي خطأ حسابي صغير إلى تفجير مواجهة عسكرية واسعة النطاق، لا يمكن السيطرة على تداعياتها الإقليمية والدولية.
أمن الخليج العربي ودوله، يجب ألا يخضع للمساومة أو التدخل من أي طرف كان، فاستقرار هذا الشريان الاقتصادي العالمي ليس مجرد شأن محلي، بل ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين وإمدادات الطاقة العالمية. ولذلك فإن تحويل الممرات المائية الدولية، لا سيما مضيق هرمز، إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، أو أداة للابتزاز والمساومة، يهدد مصالح المجتمع الدولي بأسره.
في هذه الأثناء، يكثف الطرف الثالث المتمثل في الوسطاء، جهوده واتصالاته خلف الكواليس لنزع فتيل الأزمة، ومحاولة التوصل إلى صياغة اتفاق مرحلي يجمد المسعى الأمريكي لفرض «عقوبات ساحقة» ويمنع التصعيد العسكري، ويسمح بحرية الملاحة في مضيق هرمز دون قيود أو إجراءات مخالفة للقوانين والمعاهدات.
وإذا نجح الوسطاء مجدداً في خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، فإن ذلك لن يقتصر على العودة إلى مذكرة التفاهم أو صياغة بنود اتفاق جديد فقط، بل النجاح الحقيقي يتطلب إلزام إيران بتقديم ضمانات ملموسة تثبت تخلّيها عن سياسة حافة الهاوية، والانتقال نحو سلوك إقليمي مسؤول يحترم دول الجوار ويحفظ سيادتها دون عربدة أو تدخل.