يحمل السجل الأثري في دولة الإمارات الكثير من المعالم والمواقع التاريخية التي يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ (العصر البرونزي) وآلاف السنوات قبل الميلاد، وبعضها مُسجّل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، مثل منطقة الفاية في المنطقة الوسطى في الشارقة، ومنطقة العين، ووادي الوريعة في الفجيرة.
السجل الأثري الإماراتي يحمل أيضاً مواقع أخرى هي حواضن أرضية للتاريخ والاستيطان البشري وذاكرة المكان من الأبراج والحصون في خورفكان
إلى ساروق الحديد في دبي إلى قصر الزباء في رأس الخيمة، وجبل حفيت في العين.
قبل نحو عشرين عاماً زرت قرية نحوة في الشارقة، وأخذني الباحث والشاعر عبدالعزيز المسلم بسيارته إلى المنطقة بعدما انطلقنا إلى نحوة من الشارقة مع ساعات الصباح الأولى، وأمضيت إلى جانب عبدالعزيز المسلم العارف بالمكان وثقافته وإشاراته التاريخية إلى ما بعد الظهر وسط جبال وأودية وينابيع الماء وظلال الأشجار، لأعود إلى الجريدة، وأدوّن ما رأيته وعشته تلك الساعات الرائعة في حياتي الصحفية، بل، كان يخيل إليّ آنذاك أنني أسمع صوت التاريخ والبشر الذين كانوا يستوطنون ذلك المكان الحيّ بالماء والخضرة وصلابة الجبال.
قرأت أمس في «الخليج» تقرير «وام» عن الدراسات والاكتشافات الأثرية في الإمارات، ومن بينها موقع البحيص الصخري في الشارقة، ويفيد التقرير بأن الموقع كان يستقطب وجوداً بشرياً يعود إلى نحو 60 ألف سنة وحتى 16 ألف سنة مضت، أما مقبرة قطارة في العين فتعود إلى نحو 2000 و130 سنة قبل الميلاد.
يعرف القارئ الذي عاش في الإمارات ويهمّه تاريخ وثقافة وجماليات المكان أن حضارة أم النار تعود إلى 2700 و200 عام قبل الميلاد، ويعرف جيداً العلامات الآثارية والتاريخية والجمالية في وادي الحلو، وفي العديد من جغرافيا الإمارات النابضة بروح التاريخ وحضارات المكان.
تقرير الاكتشافات الأثرية في الإمارات دفعني لكتابة هذه المقالة اليوم، غير أن المهم هو التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا السياق وهو: أين الصحافة الميدانية الاستقصائية التي تقوم على عناصر مهنية مهمّتها الذهاب إلى الأماكن الأثرية والتاريخية في الإمارات، ومعاينة التاريخ والجغرافيا في الواقع وعلى الواقع بالعين البشرية، والكاميرا، والقلم والورقة والتسجيل الصوتي كما كانت الصحافة أيام زمان، أيام الميدان لا أيام وليالي المكاتب المبرّدة وأجهزة الكمبيوتر والأرشيف القديم، وأضف إلى كل ذلك، الذكاء الاصطناعي الآن، الذي يجمّد الصحفي في مكانه، ويجعل منه تابعاً لثقافة الكمبيوتر.
التاريخ موجود في الجغرافيا، والجغرافية مكان ينادي الصحفي، ويهتف بهِ: تعال، واكتبني.
