برز مؤخراً في ظل التحول الرقمي الهائل الذي نعيشه اليوم ما يعرف باسم «التضليل الرقمي» وهو يعتمد على تقنيات متقدمة تجعل من قلب الحقائق بدهيات قابلة للتصديق، وهو في حقيقة الأمر لا يعدو كونه تزييفاً، يستخدم ما يطلق عليه أسراب الذكاء الاصطناعي لصناعة وعي جمعي زائف.
ما يهمنا في الأمر ما له صلة مباشرة بالثقافة والفنون، وما أصبح بمثابة نتاج ثقافي يغزو العالم، حتى باتت كثير من المؤسسات والمراكز العالمية تحذر من هذا التضليل، الذي أدى إلى انخفاض ثقة الجمهور الغربي بوسائل الإعلام التقليدية والجهات العلمية والبحثية وغيرها.
مؤخراً (في هذا العام) نشرت تقارير دولية عن حجم الخسائر المالية جراء الخداع الرقمي الذي تم تقديره بأنه يكلف الاقتصاد العالمي نحو 78 مليار دولار سنوياً.
في الثقافة على وجه الخصوص، أدت ظاهرة تفشي الخداع الرقمي إلى حجز المستخدمين داخل عوالم معرفية منفصلة تماماً، على حساب تنمية وتطوير مساحات النقاش العام، وهذا أدى ببعض الجهات الغربية إلى وضع تشريعات صارمة كتفعيل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، حيث بات التضليل الرقمي في الغرب اليوم ليس مجرد «أخبار كاذبة» عادية، بل تحول إلى صناعة منظمة فائقة الدقة تهدد الأمن القومي والمؤسسات الراسخة.
لقد تنبهت كثير من الروايات العالمية لمثل هذه الظاهرة، ومن يقرأ رواية جورج أورويل 1984، يجد إشارات واضحة في هذا العمل الأدبي إلى مسألة التضليل الرقمي والتلاعب بالعقول عبر التكنولوجيا. أما رواية «الدائرة» للأمريكي ديفيد إيجرز الصادرة في 2013، فتستعرض مخاطر السيطرة الرقمية لشركات التكنولوجيا العملاقة، وكيف يتم التلاعب ببيانات الخصوصية وتوجيه الجماهير عبر منصات التواصل. ومن الأعمال التي تقدم تصوراً مستقبلياً عن إمكانية تزييف الذاكرة الرقمية وتعديل الهويات البشرية تقدم رواية «تعديل الكربون» لريتشارد مورغان تصوراً مستقبلياً عن إمكانية تزييف الذاكرة الرقمية، وتعديل الهويات البشرية.
لقد بات هذا هو المفهوم في العالم اليوم، وبحسب متخصصين كثر، يشير إلى تحويل الأكاذيب إلى «روايات ثقافية بديلة» لصنع سرديات مفبركة، وتزييف الموروث التاريخي والتراثي لكثير من الشعوب في الغرب، كما تُنشر وثائق وصور مفبركة تنسب إنجازات ثقافية لغير أصحابها.
سؤال: التضليل الثقافي، ودوره في الإلهاء، وصرف التفكير في القضايا الفكرية، هو أمر يستحق النقاش من قبل المؤسسات الوطنية والفكرية وكذلك الاجتماعية.
