بعد أربعة عقود من العمل الصحفي في مؤسسات دولية ومحلية، وقراءة الكثير من كتب السير الذاتية للشخصيات العامة من قادة وزعماء وغيرهم، يستخلص المرء أنه في السياسة ليس كل شيء كما تسمع وتقرأ عنه، بل إن قرارات كبرى وأحداثاً جساماً لم تكن نتيجة تخطيط طويل ومعمق كما يبدو الأمر بعدها في كتابات التنظير للوقائع السياسية.
قد يتصور البعض أن ذلك ينطبق على دول ما يسمى «العالم الثالث» التي تشهد حكم الزعيم المنفرد بالرأي من دون شورى أو مؤسسات، لكن الواقع أن ذلك شائع في بلدان متقدمة بها مؤسسات ونظم حكم يتباهى بها أصحابها ويعايرون الآخرين بأنه ليس لديهم مثلها. فلا تندهش إن عرفت أن ذلك كان حال زعيم بريطانيا «العظيم» ونستون تشرشل وغيره من قادة القرن العشرين، وامتد حتى جورج بوش في أمريكا، وغيرهما.
كان السوق الأسبوعي لقريتنا والقرى المجاورة يعقد يوم الاثنين من كل أسبوع، وهو مناسبة يلتقي فيها البائعون والمشترون لكل شيء من حيوانات الحقل لمنتجات زراعية موسمية. وتلك فرصة ليتبادل الناس الحديث عن كافة الأمور من باب تسهيل الصفقات البسيطة للبيع والشراء، وإنما أيضاً للترغيب في اتفاقات وتعاون في الفلاحة وغيرها.
غالباً ما كانت تتخذ قرارات «انفعالية» نتيجة ذلك الجمع في السوق، وشاع بين القرويين أن توصف القرارات المفاجئة وغير المدروسة بأنها «على طريقة سوق الاثنين». حتى رغم تقديم التبريرات والتفسيرات في عملية «تنظير» بدائية وكأن القرارات اتخذت نتيجة بحث وتمحيص. لعل الرئيس الأمريكي الحالي مثال واضح لطريقة سياسة سوق الاثنين، فإلى جانب انفراده بالقرارات رغم وجود دائرة واسعة من الموظفين في إدارته وحتى المستشارين من خارج الإدارة فإن من طبعه أنه يميل إلى ما يريحه مما يسمع. كما أن نهجه المتردد في قبول ما تقدمه بعض «مؤسســات» الدولة مــــن تحليــــــلات واستنتاجات يجعله في كثير من الأحيان يتخذ قراراته استناداً إلى آخر ما سمعه ممن يثق بما يقولون حتى لو كانوا غير ذوي خبرة في موضوع القرار.
أمـــــــــا دول «المؤسســــــات الراسخة» مثل بريطانيا وغيرها فإن «تمييع» السياسة الذي حدث منذ ثمانينيات القرن الماضي انعكس على مراكز البحث ودعم اتخاذ القرار. تضافر ذلك مع بروز قوى اقتصادية واجتماعية جديدة لا تتمتـع بتلك «الأصالـــــة» السابقـــة. كــــل ذلك جعــــــل السياسيين في مواقع القيادة يتصرفون في كثير من الأحيان استناداً إلى ما تأثروا به في عشاء مع بعض «المؤثرين» أو جلسة مشروبات مع أصدقاء حتى لو كانوا غير مؤهلين. لا يعني ذلك أن هناك «عملية» تمر بها القرارات في تلك النظم السياسية من برلمان ولجان وهيئات معلومات وتدقيق. لكن في بعض الأحيان يجد صانع القرار وسيلة للالتفاف على كل ذلك ويتخذ قراراً متأثراً بهذا أو ذاك من دون سند من بحث وتوصيات الجهاز البيروقراطي للدولة.
ليست المشكلة في كل ما سبق، فهذا أمر يحدث حتى من قبل تطور النظم الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر. إنما المشكلة الحقيقية هي في المؤسسات المحيطة بالحكم من مراكز بحث ودراسات وتحليل معلومات والخروج بنماذج توقعات وأفكار وتوصيات. تلك التكوينات التي كانت مهمتها «دعم اتخاذ القرار» أصبحت منافذ لتصوير بعض القرارات والسياسات على أنها «عبقريات» عبر عمليات تأطير نظري لا تعكس واقع سياقها الحقيقي.
فبعدما كانت تلك المراكز والمؤسسات، الاستراتيجية والبحثية، تنتج مدخلات للسياسة أصبحت منافذ «تفسير» لاحق لما يحدث وكأنه «سياسة». للتبسيط: يتخذ رئيس أو رئيس حكومة قراراً استناداً إلى فكرة خطرت له أو شيء سمعه من أحد، فتنبري الأقلام والأصوات تشرح وتفسر وتضع سياقات وأطر نظرية لأمر لم يحدث إلا بطريقة «سوق الاثنين».
خطورة هذا الأمر أنه أصبح شائعاً وواسع النطاق بما يهدد أسس وقواعد النظام الحالي في العالم. لا يمكن الإشارة بالإصبع لمن أو ماذا وراء هذا التردي في السياسة وسبل الحكم، لكن الأهم هو إدراك خطورة أن تتحول مراكز التفكير والبحث والتحليل وهضم المعلومات وابتكار الرؤى من فاعل إيجابي إلى مجرد مروج لسياسة سوق الاثنين.
