الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

خسائر بفعل فاعل

5 أغسطس 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 5 أغسطس 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تشير تقارير أولية إلى أن خسائر قطاع الزراعة الأوروبي وحده من الحرائق التي اشتعلت في أنحاء مختلفة من القارة، خاصة في إسبانيا وفرنسا، تصل إلى نحو ثلاثة مليارات يورو. ولنا أن نتخيل حجم الخسائر الإجمالية لتلك الحرائق التي لم يتوقف انتشارها تماماً حتى الآن، وكذلك فإن الزراعة ليست وحدها المتضررة.
أدت الحرائق إلى تعطل الأعمال في مناطق واسعة من البلدان التي انتشرت فيها مع تبعات اقتصادية مهمة على تلك الأعمال. كما قامت السلطات بإخلاء مئات الآلاف من السكان من البلدات والقرى التي استهدفتها الحرائق. وتلك خسائر هائلة على الحكومات والناس والشركات والأعمال.
هناك أيضاً خسائر على المدى القصير نتيجة تضرر خطوط الطاقة وغيرها في تلك المناطق والحاجة لإعادة تأهيلها التي تزيد العبء على ميزانية الإدارات المحلية والحكومات. ربما تحاول شركات التأمين التملص من دفع تعويضات للمتضررين الذين لديهم سياسات تأمين على ممتلكاتهم التي التهمتها الحرائق، لكن مدفوعات هائلة ستثقل كاهل شركات التأمين أيضاً.
غالباً ما تعتبر خسائر الحرائق الناجمة عن التغير المناخي «قوة قاهرة»، مثلها مثل العواصف والأعاصير والزلازل والتسونامي. وتلك حيلة شركات التأمين التي تضمنها في عقودها لتفادي الخسائر التي قد تؤدي إلى إفلاسها. وهناك بعض المنطق في موقف شركات التأمين إذ إن الظواهر الطبيعية التي ليس للبشر يد فيها هي بالفعل «قوة قاهرة» ويصعب التأمين على المخاطر الناجمة عنها.
إنما هل انتشار تلك الحرائق، وغيرها من الظواهر الطبيعية التي تزيد مخاطرها عاماً بعد عام، فعلاً «قوة قاهرة» أي حدث مفاجئ من الطبيعة لا يمكن توقعه ولا التنبؤ به ولا معرفة مخاطره وأضراره؟
أصبح صعباً القبول بتلك الحجة الآن، ليس لأن تلك الحرائق وغيرها من الظواهر تتكرر سنوياً وتزيد حدتها كل مرة وإنما لأن هناك سبباً واضحاً لتلك الظواهر الناجمة عن التغير المناخي وبالتالي يمكن اعتبارها ظواهر «بفعل فاعل» وكذلك الخسائر الناجمة عنها.
صحيح أن الفاعل ليس مرتكباً لجرم جنائي، مثل إشعال الحرائق عمداً بقصد الضرر، فهي في النهاية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة عن المعدلات الطبيعية، الذي يتضافر مع الرياح التي توسع انتشار الحرائق. لكن التغير المناخي ثبت علمياً أنه ناجم عن سلوك البشر على كوكب الأرض، سواء بالصناعات والنشاط الاقتصادي الذي يسبب ظاهرة الاحتباس الحراري بما ينتج عنه من انبعاثات في الغلاف الجوي أو نتيجة التغول على التوازن البيئي نتيجة نشاطات بشرية أخرى.
لذا اتفقت دول العالم عام 2015 على مسار لمكافحة التغيرات المناخية يتضمن التزامات بالتحول إلى مصادر طاقة تقلل الانبعاثات إلى جانب سياسات بيئية أخرى تضمن عدم تجاوز ارتفاع درجة حرارة الأرض نقطة حرجة. وبالفعل بدأت أغلب الدول بعد اتفاقية باريس للمناخ في اتخاذ خطوات في هذا السياق.
لكن هذا التوجه أخذ في التراجع في الأعوام القليلة الأخيرة وتراخى الالتزام باتفاقية المناخ وضعف الاستثمار في التحول في مجال الطاقة، ليس لأن العالم ظن أنه «فعل ما عليه» لمكافحة التغير المناخي وإنما لبروز قوى لا ترى أن هناك تغيراً مناخياً سببه نشاط البشر وإنما هي «تطورات طبيعية» على البشرية أن تتكيف معها من دون الحاجة لتغيير أفعالها.
هكذا وصل الارتفاع في درجة حرارة الأرض إلى الحد الحرج، بل وربما تجاوزه بما يصعب عكس مساره، بالتالي زادت حدة الظواهر المناخية الناجمة عن الاحتباس الحراري ومنها الحرائق الموسمية في فصل الصيف. والنتيجة أن خسائر الحرائق وغيرها من الكوارث تزيد في كل موسم ولا يمكن الدفع بأنها ليست من فعل البشر على الأرض وإن بشكل غير مباشر، فهي إذاً خسائر بفعل فاعل.
لمن يتصور أن التغيرات المناخية قاصرة في أضرارها على مناطق وبلدان بعينها فهو مخطئ، إذ إن أضرار التغير المناخي تطول العالم كله. مثال بسيط أنه من شأن خسائر قطاع الزراعة في منطقة ما ارتفاع الأسعار العالمية بما يؤثر مباشرة في حياة الجميع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة