هناك دول تقيس مستقبلها بما تستطيع إنجازه في السنوات الخمس المقبلة، وهناك دول تبدأ من سؤال مختلف: كيف نريد أن تكون بلادنا بعد خمسين عاماً؟
هذا السؤال كان حاضراً بوضوح في خطاب العيد الوطني الذي ألقاه رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ قبل أيام، لم يكن الخطاب مجرد قائمة من المبادرات الحكومية، بل قراءة لكيفية بقاء دولة صغيرة ناجحة في عالم يتغير بسرعة، وتزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وتتداخل فيه التجارة بالأمن، والتكنولوجيا بالسيادة، والديموغرافيا بالاقتصاد.
لكن أهم ما في الخطاب لم يكن وصف المخاطر، بل فلسفة التعامل معها، فسنغافورة لا تستطيع تغيير النظام الدولي، ولذلك تحاول باستمرار زيادة قدرتها على التكيف معه. وهي، بدلاً من الانغلاق خوفاً من عالم أكثر اضطراباً، تريد أن تصبح أكثر ارتباطاً به وأكثر أهمية له. وهنا استخدم رئيس الوزراء كلمة أعتقد أنها تختصر جزءاً كبيراً من التجربة السنغافورية وهي «الثقة»، فالدول والشركات والمستثمرون يتعاملون مع سنغافورة لأنهم يثقون بمؤسساتها وقوانينها والتزاماتها. وفي عالم تتراجع فيه الثقة، تصبح الثقة نفسها أحد أصول القوة.
وهنا تحديداً نجد مساحة واسعة للمقارنة بالإمارات، فالإمارات وسنغافورة تختلفان في الجغرافيا والتاريخ والبيئة السياسية، لكنهما تتشابهان في حقيقة استراتيجية أساسية: دولتان ليستا كبيرتين بمقاييس السكان والمساحة، لكنهما اختارتا ألا يكون حجم الجغرافيا هو الذي يحدد حجم الدور.
الإمارات أيضاً بنت جزءاً مهماً من قوتها على الثقة، والثقة في الاستقرار، وفي المؤسسات، وفي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وفي كونها نقطة اتصال بين الشرق والغرب، وبين رأس المال والأسواق، وبين الاقتصادات المتقدمة والناشئة. ولهذا فإن قوة الدول لا تأتي دائماً من امتلاك أكبر الموارد، بل من أن تصبح دولة يحتاج الآخرون إلى وجودها واستقرارها.
أما المحور الثاني في الخطاب، فهو التكنولوجيا، فسنغافورة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره موضة تقنية، ولا تتعامل معه بالخوف، الرسالة في خطابه كانت واضحة «سنستخدم التكنولوجيا، ولكن بشروطنا. سنستفيد منها في الشركات والصحة والنقل والخدمات، لكننا في الوقت نفسه سنكون حريصين على قدرة المجتمع في التعامل مع التكنولوجيا وإدارتها».
وهذه أيضاً قضية إماراتية بامتياز، فالإمارات من أكثر الدول استثماراً في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لكن التحدي في المرحلة المقبلة لن يكون امتلاك التكنولوجيا فقط، بل بناء الإنسان القادر على استخدامها، ووضع الأطر التي تجعلها أداة لتعزيز الإنتاجية والسيادة الوطنية، لا بديلاً عن الإنسان أو مصدراً لمخاطر جديدة. غير أن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في الخطاب كان الأسرة، فسنغافورة تواجه، مثل كثير من المجتمعات المتقدمة، انخفاضاً في الخصوبة وارتفاعاً في كلفة تكوين الأسرة. ولذلك قررت الحكومة الانتقال من سياسة دعم الطفل عند الولادة إلى سياسة مرافقة الأسرة طوال سنوات تربيته. كل طفل سنغافوري سيحصل، وفق الحزمة الجديدة، على ما يقارب 70 ألف دولار سنغافوري من الدعم المباشر حتى سن السابعة عشرة، مع زيادة إجازات رعاية الأطفال، وخفض كبير مستهدف في رسوم الحضانة، وربط بعض أولوية الإسكان بعدد الأطفال.
الفكرة هنا أعمق من الدعم المالي. الدولة تقول للأسرة إن إنجاب الأطفال ليس شأناً خاصاً بالكامل، لأن مستقبل التركيبة السكانية شأن وطني.
وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها في الإمارات أيضاً، فنحن نناقش اليوم الأسرة الإماراتية، ومعدلات الإنجاب، والإسكان، والتوازن بين العمل والحياة، والنمو السكاني. وربما يكون الدرس السنغافوري أن السياسة السكانية لا يمكن اختزالها في منحة أو مبادرة منفردة، بل تحتاج إلى منظومة تبدأ من السكن والعمل والحضانة والتعليم، وتمتد إلى ثقافة المؤسسة والمجتمع.
ومع ذلك، اعترف وونغ بأن دعم الأسرة لن يحل المشكلة الديموغرافية بالكامل، وأن سنغافورة ستظل بحاجة إلى الوافدين والمواطنين الجدد، ولكن ضمن معادلة تحافظ على الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي. بالنسبة له، الانتماء لا تحدده فقط أصول الإنسان، بل التزامه بالدولة وقيمها ومستقبلها.
وهنا أيضاً نجد سؤالاً قريباً جداً من واقع الإمارات: كيف تبقى دولة منفتحة على العالم، تستقطب المواهب والاستثمارات وملايين المقيمين، وفي الوقت نفسه تحافظ على هويتها الوطنية وتماسك مجتمعها؟
ربما أجمل ما في الخطاب جاء قرب نهايته، عندما تحدث وونغ عن التخطيط للأرض. قال إن سنغافورة لا تخطط لخمس أو عشر سنوات فقط، بل لخمسين وسبعين وحتى مئة عام. ولذلك تحدث عن إنشاء جزر جديدة، واستصلاح الأراضي، وبنية تحتية وطاقة ومناطق صناعية ومشاريع لا يحتاج إليها السنغافوري اليوم بالضرورة، وإنما قد يحتاج إليها أبناؤه وأحفاده. وهذه الفكرة ليست غريبة على الإمارات، فكثير مما نراه اليوم في الإمارات بدأ قبل عقود بقرارات بدت في وقتها أكبر من الحاجة الآنية، الموانئ، والمطارات، وشركات الطيران، والمناطق الحرة، والطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية، والفضاء، والذكاء الاصطناعي. لم يكن السؤال ماذا نحتاج اليوم؟ بل ماذا سيحتاج الوطن غداً؟
الإمارات وسنغافورة تقدمان، كل بطريقتها، درساً مهماً، وهو أن الجغرافيا قد تحدد مساحة الدولة، لكنها لا تحدد مساحة طموحها.
