بينما لا يبدي المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون اهتماماً بالعودة إلى طاولة المحادثات، تتواصل معركة السيطرة على مضيق هرمز، والذي كانت تعتبره طهران ورقتها الرابحة في الحرب، لكن الجيش الأمريكي أكد مؤخراً نجاحه في قلب موازين القوى في المضيق، وتقويض النفوذ الإيراني بسبب الضربات العسكرية المتوالية على مدار الشهرين الماضيين، في نقطة تحول كبيرة تشهدها الحرب المستعرة في المنطقة.
اليد العليا في هرمز.. أمريكية
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الولايات المتحدة باتت لها اليد العليا في معركة هرمز؛ إذ نجح الجيش تدريجياً في تقويض نفوذ إيران على هذا الممر المائي الحيوي من خلال الضربات العسكرية على مدار الشهرين الماضيين، خسرت من خلالها طهران ورقة المضيق التي تعمدت عليها لكسب الحرب المستمرة منذ فبراير/شباط الماضي.
وبحسب خبراء، فإن العمليات العسكرية التي بدأت قبل ستة أشهر بهدف إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وتدمير ما تبقى من برنامجها النووي، تحوّلت إلى صراع مفتوح على أهم ممر مائي للطاقة في العالم، حيث يقول مسؤولون أمريكيون، إنهم قلبوا موازين القوى في المضيق، ويعتقدون أن هذه اللحظة قد تكون نقطة تحول في الحرب، لا تجلب فقط انفراجة تدريجية للاقتصاد العالمي؛ بل تُفضي أيضاً إلى اتفاق أفضل مع إيران.
رد إيراني ضعيف
وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً النجاح في تحرير هرمز من قبضة إيران، وقال لموقع أكسيوس الخميس: «المضيق مفتوح الآن. الرد الإيراني ضعيف للغاية. إنهم لا يريدوننا أن نرد بالمثل. هذه هي المعادلة الأساسية. أما الباقي فلا يهم».
ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت الحرب، كان مضيق هرمز مفتوحاً، وكان النفط يتدفق دون انقطاع إلى أسواق الطاقة العالمية، وكان سعر برميل خام برنت حوالي 72 دولاراً، وذلك قبل أن يقرر قائد البحرية في الحرس الثوري الإيراني آنذاك، الجنرال علي رضا تنكسيري إغلاق المضيق في الساعات الـ 72 الأولى من الحرب، وحذرت من أنها ستهاجم ناقلات النفط التي تحاول العبور.
تنكسيري يفخخ المضيق
التصعيد الإيراني لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ أصدر تنكسيري سراً أمراً أدى إلى تصعيد الموقف بشكل كبير تمثل في زرع ألغام بحرية في نظام فصل حركة الملاحة (TSS)، وهو الممر الملاحي الدولي الرئيسي عبر المضيق، وفقاً لمسؤولين إسرائيليين وأمريكيين. وبعد ثلاثة أسابيع قُتل تنكسيري في غارة جوية إسرائيلية على بندر عباس بإيران.
وأوقفت الهجمات الإيرانية على السفن وزرع الألغام، حركة الملاحة التجارية في الشريان الملاحي العالمي، وفي الشهرين التاليين، ارتفع سعر خام برنت بشكل حاد ليصل إلى 126 دولاراً للبرميل.
وفي 8 إبريل/نيسان الماضي، وافق ترامب على وقف إطلاق النار مع إيران استجابة لارتفاع أسعار الغاز في الولايات المتحدة والضغط على أسواق الطاقة، وكان إعادة فتح المضيق حجر الزاوية في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي وقعت بين الطرفين لاحقاً في يونيو/حزيران الماضي، لكن المضيق لم يُفتح بالكامل، وسرعان ما انهار الاتفاق.
انهيار مذكرة التفاهم وعودة الحرب
بعد انهيار مذكرة التفاهم، عمل الجيش الأمريكي على إعادة فتح المضيق من جانب واحد، فرض الحصار مجدداً على الموانئ الإيرانية، فنفذ خلالها حملة قصف استمرت أسبوعين بهدف تقويض قدرة الحرس الثوري الإيراني على مهاجمة السفن العابرة للمضيق. كما شارك في عملية إزالة الألغام غواصون من البحرية الأمريكية، وقوات البحرية الخاصة (SEALs)، وطائرات مسيّرة تحت الماء وعلى السطح، ومتعاقدون من القطاع الخاص، وذلك للكشف عن الألغام وتحييدها.
ويؤكد مسؤولون أمريكيون، أنه على الرغم من أن عدد السفن التي تعبر المضيق - وكمية النفط المصدرة منه - لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، فقد تحسن الوضع على أرض الواقع؛ إذ فقدت إيران جزءاً كبيراً من سيطرتها على المضيق، ويسيطر الجيش الأمريكي فعلياً على معظمه.
عبور 1500 سفينة..و2 % فقط أصابتها إيران
ولا تزال إيران تهاجم السفن، لكن قدرتها على استهدافها بدقة باتت محدودة. وقال مسؤول أمريكي، إن 2% فقط من السفن التي عبرت المضيق خلال الشهر الماضي أصيبت. وجرى إزالة أكثر من 200 جسم شبيه بالألغام من الممر الرئيسي للمضيق، 11 منها فقط كانت ألغاماً حقيقية، وأن عدداً قليلاً منها فقط تم زرعه بشكل صحيح، بحسب المسؤولين.
وبحسب الجيش الأمريكي على مدى الأشهر القليلة الماضية، ساعدت القوات الأمريكية حوالي 1,500 سفينة تجارية تعبر المضيق من خلال توفير حماية منسقة. وكانت تلك السفن تحمل ما يقرب من 750 مليون برميل من النفط الخام المتجه إلى أسواق الطاقة العالمية، وهو حجم ضخم للغاية.
وفي حين دعمت القوات الأمريكية تصدير 750 مليون برميل من النفط الخام المغادر للخليج، لم تصدر إيران برميلاً واحداً من النفط من شواطئها منذ استئناف الحصار البحري في منتصف يوليو/تموز. ونجح الجيش في إجبار 75 سفينة حاولت اختراق الحصار على العودة، وعطلوا 3 سفن لم تمتثل للتعليمات.
تطهير هرمز من ألغام إيران
وبحسب تقرير «أكسيوس» شهدت الأسابيع الأخيرة زيادة في حجم حركة الملاحة عبر القناة الجنوبية إلى ما بين 20 و30 ناقلة يومياً، تحمل ما بين 9 و10 ملايين برميل في المتوسط. وهذا يمثل نصف حجم ما قبل الحرب تقريباً.
والخميس، أشاد قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر بالنجاح في معركة هرمز قائلاً: «حققنا إنجازاً
ً مهماً في مضيق هرمز. أصبحت الممرات البحرية المعترف بها دولياً في المضيق خالية من الألغام البحرية الإيرانية. الخلاصة: اليوم، أصبحت الممرات الملاحية الدولية مفتوحة، والزخم يتزايد».
ً مهماً في مضيق هرمز. أصبحت الممرات البحرية المعترف بها دولياً في المضيق خالية من الألغام البحرية الإيرانية. الخلاصة: اليوم، أصبحت الممرات الملاحية الدولية مفتوحة، والزخم يتزايد».
وعلى الرغم من التطمينات الأمريكية، يشكك خبراء النفط ومتتبعو ناقلات النفط في صحة الأرقام الفعلية لعبور السفن، كما تثير التقارير الدورية عن تعرض ناقلات النفط لهجمات مقذوفات تساؤلات حول سلامة الملاحة التجارية عبر المضيق.
وتظهر حركة تصدير النفط المحمية أمريكياً علامات على اكتساب الزخم؛ حيث انضم العديد من الدول الخليجية إلى هذه الترتيبات، وبحلول منتصف سبتمبر/ أيلول المقبل، تأمل واشنطن في توسيع القناة الرئيسية للمضيق لتتمكن 50 سفينة على الأقل من الدخول والخروج من الخليج كل ليلة. والهدف النهائي هو استعادة ما بين 60 إلى 70 في المئة من حجم صادرات النفط في المضيق قبل اندلاع الحرب.
اهتمام طهران بعودة المفاوضات ووساطات مكثفة
وعلى الرغم من مزاعم طهران بشان استحالة عودة هرمز إلى وضع ما قبل الحرب، كشف مصدران إقليميان لموقع «أكسيوس»، عن أن إيران أبدت في الأيام الأخيرة اهتماماً متجدداً بالمفاوضات. وزار قائد الجيش الباكستاني طهران الأحد الماضي، في محاولة لإحياء الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
وتبعه في وقت لاحق من الأسبوع وزير خارجية سلطنة عمان، الذي وصل إلى طهران لمناقشة مضيق هرمز. ويوم الخميس، وصل رئيس وزراء قطر، الوسيط الرئيسي بين إيران والولايات المتحدة إلى طهران لإجراء محادثات بناء على طلب إيران، وفقاً للمصادر الإقليمية.
وبينما تتمسك طهران بمواقفها، ومطالبة الولايات المتحدة بتنفيذ مذكرة التفاهم، وتقديم شروط لإعادة فتح المضيق، يؤكد ترامب حالياً أنه غير مهتم بالتفاوض مع إيران. كتب ترامب على موقع «تروث سوشيال» يوم الخميس: «أنا لا أريد الاجتماع، هم يريدون. في الواقع، هم يتوسلون للتوصل إلى اتفاق».
ورغم ذلك، يواصل المبعوث الخاص للبيت الأبيض، ستيف ويتكوف، محادثاته مع القطريين ووسطاء آخرين.
ويسعى المفاوضون الأمريكيون لاستكشاف ما إذا كان الحصار الأمريكي وحملة الضغوط الاقتصادية، إلى جانب النفوذ المتزايد في المضيق، ستدفع إيران إلى تخفيف مواقفها.
ويرى المسؤولون الأمريكيون أن المعطيات الميدانية المتغيرة في المضيق تمنح إدارة ترامب يداً أقوى في أي مفاوضات مستقبلية، ويعتبرون مذكرة تفاهم 17 يونيو/ حزيران الماضي غير ذات موضوع حالياً، فيما يتعاملون مع المحادثات العمانية- الإيرانية بشأن الترتيبات الجديدة للمضيق بوصفها مجرد خلفية هامشية للأحداث.