الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

نتنياهو.. يحتاج إلى حرب

28 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 28 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تعد حروب إسرائيل مجرّد مسألة أمن قومي، أو مواجهة عسكرية مع خصم. بل تحوّلت ومع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إلى سؤال سياسي داخلي شديد الحساسية: هل يحتاج نتنياهو إلى استمرار الحرب، أو على الأقل، استمرار الإحساس بأن الحرب يمكن أن تندلع في أية لحظة، حتى يمنع الانتخابات من التحول الى استفتاء على بقائه في السلطة؟
هذه ليست مجرّد فرضية يطرحها خصوم نتنياهو، بل قراءة ظهرت بوضوح داخل الصحافة الإسرائيلية نفسها. خصوصاً صحيفة «هآرتس». وكان يوسي فيرتر قد كتب سابقاً مقالاً بعنوان: «بينما تتجه إسرائيل إلى الانتخابات، نتنياهو يحتاج إلى حرب»، ولم يستخدم الكاتب العبارة مجازاً، بل افتتح تحليله بالقول صراحة إن «نتنياهو يحتاج إلى حرب»، ثم ربط ذلك ببقائه السياسي، والانتخابات، ومحاكمته الجنائية.
في التحليل الذي نشرته الصحيفة جاء عنوان أكثر دلالة على البعد النفسي للحرب: «نتنياهو يحتاج لأن يعيش الإسرائيليون في خوف، كي لا يبدأوا التفكير بعقلانية». ويلخص المقال الفكرة بأن نتنياهو يحتاج إلى أن يشعر الإسرائيليون بالتهديد على مدار الساعة، وأن الحرب، والتهديد الدائم يشوشان التفكير السياسي الطبيعي.
هاتان الفكرتان تفتحان باباً لفهم مرحلة شديدة الحساسية الإسرائيلية: ماذا يحدث إذا أصبح السلام، أو الهدوء، أخطر انتخابياً على نتنياهو من استمرار الحرب؟
استطلاعات الرأي بحسب تقرير وكالة «رويترز» الذي نشر في 17 أغسطس (آب)، تظهر أن فرص انتخابه تواجه حالة من عدم اليقين، مع انقسامات الليكود نفسه، وتراجع التأييد للحزب. وتشير التقديرات إلى احتمال خسارة الليكود نحو ثلث مقاعده، فيما لا يزال قرابة 20% من الناخبين متردّدين، وهي كتلة ضخمة قادرة على تغيير نتيجة الانتخابات.
الأهم، أن المشكلة ليست في عدد مقاعد الليكود وحده، بل في قدرة كتلة نتنياهو بأكملها على الوصول الى 61 مقعداً، وهي الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بثقة في الكنيست. وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى أن كتلة نتنياهو بعيدة عن الأغلبية. كما أن دونالد ترامب الذي كان لدعمه السياسي والشخصي عاملاً مهماً في الماضي، امتنع حتى منتصف أغسطس (آب)، عن منحه تأييداً انتخابياً صريحاً. أما الصحفي نير حسون، فقد أكد في مقابلة تلفزيونية في 29 يوليو (تموز)، أن معسكر معارضي نتنياهو يعيش حالة من التفاؤل، لأن استطلاعاً بعد آخر يظهر أن نتنياهو لا يملك أغلبية واضحة تمكنه من تشكيل حكومته المقبلة.
من هنا تبدأ أهمية الحرب، من كونها مظلة سياسية يحتاج إليها من يخوض الانتخابات بلا رصيد مؤيد من الجمهور. ويرى يوسي فيرتر أن نتنياهو تغيّر، فالرجل الذي كان وفق وصفه، أكثر حذراً في استخدام القوة العسكرية وأكثر حساسية تجاه خسائر الجنود، والاقتصاد، والصورة الدولية لإسرائيل، أصبح يرى أن استمرار المواجهة العسكرية يعتبر جزءاً من معادلة استمرار بقائه السياسي. وفي تحليله يربط بين الحرب وثلاثة ملفات ثقيلة: الانتخابات، والمحاكمة، وبقاء الحكومة. فحين تدوي المدافع وتصبح الصواريخ والخطر الإيراني و«حزب الله» وغزة، صدارة نشرات الأخبار، يتراجع الحديث عن المسؤولية السياسية، وعن إخفاقات الحكومة، وعن أزمة التجنيد، وغلاء المعيشة، وعن التحقيقات والمحاكمات. هنا تحديداً تكمن أهمية فرضية نتنياهو، «هو يحتاج الى حرب».
ليس بالضرورة لأنه يريد حرباً من أجل حرب، وإنما لأن الحرب تغيّر السؤال الذي يذهب به الإسرائيلي إلى صندوق الاقتراع. فبدل أن يكون هل تريدون نتنياهو؟ يصبح، هل الوقت مناسب لتغيير القيادة؟ وهذان سؤالان مختلفان تماماً. الخوف يعيدان ترتيب أولويات الناخب. ففي المجتمعات التي تعيش حالة التهديد الأمني تميل القضايا إلى التراجع أمام الخوف الوجودي.
الاقتصاد، والفساد، والإصلاح القضائي، ومسؤولية الحكومة، وأزمة التجنيد، والعلاقات بين المتدينين والعلمانيين، وحتى أسئلة المحاسبة، جميعها تتراجع عندما يسمع المواطن صفارات الإنذار، أو ينتظر هجوماً صاروخياً. فالحرب تُبقى المواطن في حالة طوارئ نفسية وسياسية. وهنا تتحول العبارة إلى: «ليس الوقت مناسباً لتغيير الحكومة».
المعارضة تريد انتخابات طبيعية، بينما يريد نتنياهو انتخابات تهيمن عليها الاعتبارات الأمنية. ويذهب فيرتر أبعد من ذلك، إذ يرى أن استمرار الحرب قد يفتح باب النقاش حول تأجيل الانتخابات، ما يصب أيضاً في مصلحة نتنياهو.
والسؤال: من يدفع ثمن استمرار الحرب؟
الجواب: دول المنطقة التي تعيش تحت خطر استمرار حرب بلا أفق، وإسرائيل التي تواجه عزلة وتآكل صورتها الدولية.
[email protected]
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة