الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الآخر العقلي

28 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 28 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لماذا تفوق الصينيون القدماء في الجبر والحساب بينما برع الإغريق في الهندسة؟ ولماذا يتعلم الأطفال في الغرب الأسماء أسرع من الأفعال بينما يتعلم الصغار في الصين الأفعال بشكل أسرع؟ ولماذا يصعب على أبناء الشرق الأقصى فصل الموضوع عن السياق المحيط به؟ هذه الأسئلة وغيرها من مسائل إشكالية يطرحها المفكرون الغربيون في إطار المقارنات الحضارية التي تنتصر عادة للنظرة الغربية في إدراك ورؤية العالم.
هذه الأسئلة المستفزة للبعض لعالم النفس الأمريكي ريتشارد نيسبت في كتاب بعنوان «جغرافية الفكر»، أما العنوان الفرعي للكتاب فهو أكثر استفزازاً «كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف..ولماذا»، ومع التقدم في الكتاب نكتشف أن الغربيين المعنيين في الكتاب هم الأمريكيون تحديداً، والشرق آسيويّون هم الصينيون.
الملاحظة التي يلمحها المهتم بالموضوع، أو بالمقارنات الحضارية بوجه عام، أننا في حضرة هذا الكتاب، داخل حقل فكري جديد في مجال تلك المقارنات، وأعني به علم النفس الثقافي، ففضلاً عن التحليلات الفكرية والتاريخية المنحازة للغرب، هناك عشرات التجارب التي قام بها المؤلف وفريق عمله على أطفال وطلاب مدارس وجامعات لإثبات وجهه نظره.
ملاحظة أخرى نلمحها في منهجية المؤلف والذي يعلن دائماً أن قضيته العقل الكوني، ويرى أن التمايزات بين الحضارات في ما يتعلق بالقدرات العقلية يمكن أن تكون مدخلاً للتعايش عبر الحوار بين المختلفين، ولكنه لم يستطع أن يتخلص من نزعة الانحياز للغرب، ومن إنتاج مقولات تتقاطع مع الاستشراق الكلاسيكي في وجهه السلبي.
مع الاستمرار في قراءة الكتاب، والحوار مع ما يثيره من قضايا وأطروحات ربما يرفضها معظمنا، ويقبلها البعض، فإننا في الحالتين نكتشف ذلك الهاجس المرضي المعلن والخفي بالآخر، والأهم أن ذلك الهاجس غربي بالأساس، فلم يعرف التاريخ ثقافة أخرى، ظلت في جميع مراحلها: النشأة والنمو والازدهار والانهيار ومن ثم النهضة والصعود والهيمنة، مسكونة بالآخر مثل الغرب، بل إننا لا نبالغ أن فكرة الآخر تلك اختراع غربي، أولاً لتحديد سمات الذات وتمييزها عن جميع من يحيطون بها، وثانياً وُظف الآخر دائماً من أجل أهداف عدة: حضارية وسياسية وعسكرية.
المسألة المهمة التي يثيرها هذا الكتاب، وطرحها البعض أيضاً، أننا أحياناً ما نجد أنفسنا في حضرة هذه الدراسات أمام أكثر من غرب، وأمام أكثر من شرق، تبعاً لاختلاف المراحل الحضارية وصدام السياسات ولعبة المراكز والأطفال، حيث لم يعد هناك كيان موحد يدعى الغرب، بل هناك غرب الغرب، ويضم بريطانيا والولايات المتحدة. وهناك أعمال بحثية أخرى تطرح أفكاراً ورؤى لا تختلف كثيراً عن الاستشراق عندما تتناول الفارق الثقافي والسياسي بين هاتين الدولتين والغرب الأوروبي على سبيل المثال، أما الشرق فهو يتحرك وفق لعبة صناعة العدو، فهو تارة الستار الحديدي، وأخرى الشرق الأوسط الإرهابي، ومرة ثالثة هو الشرق الأقصى الذي يتباين معرفياً مع الغرب العقلاني، ويختلف جذره التاريخي عن المعجزة الإغريقية التي لم تتكرر في التاريخ، ولم يعرف البشر لها نظيراً !

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة