الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ديمقراطية بلا دستور.. ولا مساواة

14 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 14 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين أعلِنت دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، وعد إعلان الاستقلال بوضع دستور للدولة في موعدٍ أقصاه الأول من أكتوبر من العام نفسه. لكن ذلك الموعد مرّ، ثم مرّت عقود تلو الأخرى، ولم يولد الدستور حتى اليوم. وبعد أكثر من 77 عاماً. لا تزال إسرائيل دولة تتغنى بالديمقراطية ولا تملك دستوراً مكتوباً موحداً، بل تعتمد على ما يعرف ب«القوانين الأساسية»، التي تؤدي دوراً دستورياً دون أن تُشَكّل دستوراً جامعاً.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يوجد دستور؟ بل ما الذي عجز الإسرائيليون عن الاتفاق عليه منذ عام 1948؟
الجواب الأبرز هنا هو «الحدود» وهي العقدة التي يذهب إليها معظم الباحثين، فهي أهم العقد التي واجهت واضعي الدستور.. «قضية الحدود النهائية». فعند إعلان دولة إسرائيل، لم تُحَدد حدود نهائية في إعلان الاستقلال، كما أن حرب 1948 كانت لا تزال تغيّر في الواقع الميداني، ثم جاءت اتفاقيات الهدنة عام 1949 لترسم حدوداً مؤقتة، يعني لا حدود دولية نهائية. ومنذ ذلك الوقت بقيت مسألة الحدود مفتوحة على الحروب والاتفاقات والمفاوضات. ويرى بعض المحللين أن كتابة دستور دائم في ظل غياب تصور نهائي للإقليم كانت ستفرض الإجابة عن أسئلة لم يكن النظام السياسي مستعداً لحسمها مثل: ما حدود الدولة الدستورية؟ وهل خطوط الهدنة حدود نهائية؟ وكيف سَيُعرّف الإقليم إذا تغير مستقبلاً بالحرب أو بالتفاوض؟ ولهذا يرى هؤلاء أن ترك قضية الحدود مُعلقة منح الحكومات الإسرائيلية مرونة سياسية أكبر في التعامل مع ملف الحدود. ومع أنه ليس العامل الوحيد في تأخير الدستور إلا أنه عاد للواجهة مع انتشار خريطة إسرائيل الكبرى.
بدأت القصة مع المذيع شارون غال خلال استضافته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مقابلة تلفزيونية، حيث قدم له خريطة «أرض الميعاد» أو «إسرائيل الكبرى» التي تضم الضفة الغربية وغزة وتشمل بدرجات متفاوتة أجزاء من دول عربية على الحدود الإسرائيلية، ثم سأله مباشرة: «هل ترتبط بهذه الرؤية؟» فأجاب على الفور: «جداً.. جداً» ثم تحدث عن مَهَمة تاريخية وروحية.
رغم أن الخريطة لم تُعرض كاملة على الشاشة، كتبت صحيفة (إسرائيل تايمز) أن المذيع يروّج لخريطة «إسرائيل الكبرى»، وهكذا انتشرت نسخ كثيرة على صفحات التواصل الاجتماعي، عن خرائط وحدود توسيعيّة جديدة، لا يُعرف فيها الزائف من الأصلي. فقط حقيقة واضحة أعلنت: لا دستور موحداً بلا حدود مؤكدة، فالحدود الحالية ليست نهائية.
لكن الحدود ليست العقدة الوحيدة في عدم وجود دستور. يتحدث الباحثون عن مشكلة «يهودية الدولة». قد يبدو للوهلة الأولى أن إعلان إسرائيل نفسها «دولة يهودية» يحسم النقاش إلا أن النقاش الحقيقي كان حول مضمون هذه اليهودية. فالتيار الديني أراد أن تستند الدولة إلى الشريعة اليهودية في قضايا الأحوال الشخصية والتشريع، بينما دافع التيار العلماني عن دولة مدنية ذات مؤسسات ديمقراطية حديثة. ومن هنا ظهرت أسئلة لم تجد جواباً نهائياً: ما مصدر التشريع؟ ومن هو اليهودي فعلاً، المتطرف أم المعتدل؟ وما حدود سلطة المحاكم الدينية؟
المعضلة تجلت أكثر في كيف توازن الدولة بين هويتها اليهودية وحقوق مواطنيها غير اليهود؟ وكانت تلك العقدة من أسباب تعثر التوافق على الدستور. بقيت قضية المساواة، من أصعب القضايا. فالدستور في الدول الديمقراطية يتضمن نصوصاً واضحة تضمن المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون. أما في إسرائيل، فقد ظل النقاش قائماً حول كيفية الجمع بين تعريف الدولة بأنها «الدولة القومية للشعب اليهودي» وبين ضمان المساواة لجميع المواطنين. بقي هذا التوتر إحدى العقبات أمام الوصول إلى دستور توافقي.
في عام 1950 اتخذ الكنيست ما عرف بقرار «هراري» الذي نص على عدم صياغة دستور دفعة واحدة، وإنما إعداد فصول منفصلة تسمى «القوانين الأساسية»، على أن تُجمَع لاحقاً في دستور واحد. لكن هذا الحل المؤقت أصبح دائماً في وضع استمر أكثر من سبعة عقود. أما رئيس الوزراء دافيد بن غوريون، فهو لم يكن متحمساً لتقييد السلطة التنفيذية بدستور. ومثله الأحزاب الدينية عارضت دستوراً يَحدّ من نفوذها، ومن طموحها.
وهكذا أصبح الدستور في إسرائيل قضية مؤجلة تنتظر حسم الحدود النهائية، وقضايا الهوية والمساواة، ونسأل: هل هذه ديمقراطية؟
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة