في الثاني والعشرين من يونيو/ حزيران 2026 انهار الجدول الزمني التقليدي للأمن السيبراني تماماً. فقد أصدر تحالف «العيون الخمس» الاستخباراتي (والذي يضم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا) تحذيراً مشتركاً نادراً وصادماً بمثابة جرس إنذار حقيقي مفاده أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Frontier AI) قادرة على شن هجمات سيبرانية مدمرة وذاتية التوجيه ضد الحكومات والبنى التحتية الحيوية، وهي ليست على بعد عقود أو سنوات، بل إنها على بعد أشهر قليلة فقط.
وظل النقاش العام المحيط بالذكاء الاصطناعي محكوماً بمعسكرين متناقضين ولكنهما متساويان في التجريد والنظرية. في أحد الجانبين، وقف المتفائلون بالتكنولوجيا من الشركات واعدين بمدينة فاضلة خالية من العقبات تعتمد على الإنتاجية المؤتمتة. وفي الجانب الآخر، وقف فلاسفة نهاية العالم محذرين من ذكاء اصطناعي فائق يشبه الخيال العلمي قد يقرر يوماً ما إبادة البشرية.
لقد خدم كلا السردين كأداة تشتيت ممتازة عن تهديد أقرب بكثير وأكثر واقعية. لكن بيان «العيون الخمس» أنهى تلك الشكوك، فالخطر الذي نواجهه ليس تمرداً لآلات واعية، بل هو تحويل متسارع لنقاط ضعفنا الرقمية الحالية إلى سلاح، يتم وضعه في أيدي بشر ذوي نوايا خبيثة.
ولفهم سبب اعتبار هذه اللحظة نقطة تحول فارقة، يتعين علينا النظر إلى الإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومات في الأيام المحيطة بهذا التحذير. ففي منتصف يونيو، اتخذت وزارة التجارة الأمريكية خطوة استثنائية بإصدار توجيه عاجل لمراقبة الصادرات، ما أجبر شركة «أنثروبيك» على التعطيل المفاجئ لنموذجيها الجديدين فائقَي القدرة «كلود فيبل 5» و»مايثوس5».
وبالتزامن مع ذلك، وتحت ضغوط من إدارة ترامب، وافقت شركة «أوبن أيه آي» على تأخير وتقسيم مراحل إطلاق أنظمتها المتقدمة القادمة لإتاحة الوقت لإجراء اختبارات سلامة طارئة. وعندما تبدأ الحكومات في إجبار الشركات على إغلاق برمجيات تجارية ووقف إطلاق منتجات لعمالقة التكنولوجيا تقدر بمليارات الدولارات، فإن الأمر لم يعد مجرد نقاش نظري حول السياسات، بل نحن أمام حالة طوارئ رقمية غير معلنة وهي اختلال التوازن في جبهة التهديدات.
يكمن جوهر التهديد في عدم التماثل الكامل لحرب الذكاء الاصطناعي السيبرانية. كان شن هجوم سيبراني معقد للغاية ضد دولة ذات سيادة أو شركة متعددة الجنسيات يتطلب موارد هائلة، إذ كان الأمر يستلزم فرقاً من نخبة الخبراء والقراصنة المدعومين من الدول، وشهوراً من التحليل اليدوي المضني للشيفرات البرمجية، وملايين الدولارات من التمويل. هذا الحاجز الهيكلي أبقى الأسلحة الرقمية الأكثر تدميراً محصورة في يد عدد قليل من الدول القومية التي تحكمها في الغالب قيود الردع الجيوسياسي. لكن التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات أمنية معقدة تتجاوز النماذج التقليدية.
فمن خلال أتمتة عمليات تحليل البيانات الضخمة، يمكن استغلال هذه التقنيات المتقدمة لتحديد الثغرات التقنية في الأنظمة الرقمية بسرعة غير مسبوقة. ويحذر الخبراء من أن التقنيات الجديدة قد تُمكّن من اكتشاف نقاط الضعف البرمجية العميقة وتحليلها في جداول زمنية كانت تتطلب سابقاً مجهوداً بشرياً مضنياً لأسابيع طويلة.
ولعل الجانب الأكثر إثارة للقلق هو ظهور برمجيات معقدة قادرة على التكيف مع البيئات الدفاعية بشكل ديناميكي. هذه الأنظمة لا تعتمد على تعليمات ثابتة، بل تستخدم خوارزميات متطورة لمحاولة الالتفاف على الحواجز الأمنية التقليدية، ما يتطلب استراتيجيات دفاعية استباقية وقادرة على الاستجابة في الوقت الفعلي.
تؤدي هذه التحولات إلى ظهور «فجوة أمنية» متزايدة، فبينما تمتلك المؤسسات الكبرى والمراكز البحثية الموارد الكافية لتطوير أنظمة دفاعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تظل المؤسسات الصغيرة والمرافق العامة الحيوية والبلديات أكثر عرضة للمخاطر بسبب محدودية ميزانيات الأمن السيبراني واعتمادها على أنظمة تقنية قديمة. إن تعرض البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الطاقة ومرافق المياه وأنظمة الاستجابة الطارئة، لمخاطر سيبرانية متقدمة يمثل تهديداً يتجاوز مجرد فقدان البيانات، إذ يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات ملموسة في الخدمات الأساسية للمجتمعات.
تؤدي هذه التقنيات أيضاً إلى تغيير موازين القوى في الفضاء الرقمي، حيث تصبح القدرة على تحديد مصدر الهجمات أكثر صعوبة. هذا الغموض في تحديد المسؤولية قد يشجع على زيادة النشاط السيبراني العدائي، ويؤدي إلى سباق تسلح رقمي تسعى فيه الدول لامتلاك نماذج هجومية ودفاعية متطورة لتأمين مصالحها القومية.
لم يعد الدفاع التقليدي القائم على رد الفعل كافياً لمواجهة تهديدات تتحرك بسرعة الخوارزميات. هناك حاجة ماسة لتبني مقاربات جديدة تشمل الدفاع الاستباقي بالذكاء الاصطناعي.
*كاتبة عمود في صحيفة الغارديان ورئيسة مكتبها في أستراليا
