يُعد الطب إحدى أبرز قصص النجاح في الأردن، إذ استثمرت الدولة والأسر لعقود في بناء منظومة تعليم طبي متميزة خرّجت آلاف الأطباء الذين أثبتوا كفاءتهم داخل المملكة وخارجها، لاسيما في دول الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية. إلا أن هذا النجاح أوجد تحدياً جديداً يتمثل في اتساع الفجوة بين مخرجات كليات الطب وقدرة سوق العمل المحلي وبرامج الإقامة على استيعابها. والسؤال اليوم ليس: هل يخرّج الأردن أطباء أكثر مما يحتاج؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا الفائض إلى فرصة اقتصادية وطنية؟
تكشف الأرقام حجم التحدي. فبحسب نقابة الأطباء الأردنية، يدرس نحو 23 ألف طالب طب داخل الأردن، إضافة إلى 20 ألف طالب أردني في الخارج، أي ما يقارب 43 ألف طالب طب. وفي عام 2025 تخرج 4454 طبيباً، بينما لم يتجاوز عدد مقاعد الإقامة المتاحة 1040 مقعداً، ما يعني أن آلاف الخريجين لا يجدون فرصة لمواصلة التدريب التخصصي، وهو شرط أساسي لبناء مسيرتهم المهنية. وتعكس هذه الأرقام خللاً واضحاً بين الطاقة التعليمية والطاقة التدريبية واحتياجات سوق العمل.
المشكلة، إذن، ليست في عدد الأطباء، بل في غياب التخطيط المتكامل للقوى البشرية الطبية. فالطبيب لا يصبح اختصاصياً بمجرد تخرجه، وإنما يحتاج إلى برامج إقامة معتمدة وتدريب سريري وفرص عمل تستثمر سنوات الدراسة الطويلة. وعندما تتجاوز أعداد الخريجين القدرة الاستيعابية لهذه المنظومة، تتحول المشكلة إلى بطالة وتأخر في التأهيل المهني. ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من برامج الإقامة الطبية. فالتوسع في تخريج الأطباء دون زيادة موازية في مقاعد الإقامة يخلق اختناقاً مهنياً يضر بالطبيب والنظام الصحي معاً. ولذلك، من الضروري أن تتبنى الحكومة سياسة وطنية تُلزم وزارة الصحة بأن تكون جميع برامج الإقامة مدفوعة الأجر، مع التوسع التدريجي في تطبيقها داخل المستشفيات الجامعية والمؤسسات الصحية الحكومية.
فالطبيب المقيم ليس طالباً، بل طبيب مرخص يقدم خدمات علاجية يومية ويتحمل مسؤوليات مهنية مباشرة في رعاية المرضى. لذا، لا ينبغي النظر إلى راتبه باعتباره عبئاً على الموازنة، وإنما استثمار في رأس المال البشري. فتمويل برامج الإقامة سيؤدي إلى تسريع إعداد الأطباء الاختصاصيين، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وتقليل البطالة بين خريجي الطب، والحد من الهجرة المبكرة للكفاءات، إلى جانب تعزيز قدرة المستشفيات الحكومية على الاحتفاظ بأفضل الخريجين.
وفي المقابل، يواجه العالم المتقدم نقصاً متزايداً في الأطباء. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تتوقع استمرار العجز في أعداد الأطباء خلال السنوات المقبلة نتيجة شيخوخة السكان، وارتفاع الطلب على الخدمات الصحية، وإحالة أعداد كبيرة من الأطباء إلى التقاعد. وهنا تظهر فرصة استراتيجية للأردن، الذي يمتلك فائضاً نسبياً في خريجي الطب، بينما تحتاج العديد من الدول إلى كوادر طبية مؤهلة.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تغييراً في طريقة التفكير. فبدلاً من النظر إلى انتقال الأطباء إلى الخارج باعتباره هجرة للعقول، ينبغي التعامل معه باعتباره تصديراً للكفاءات، على غرار ما فعلته دول مثل الهند والفلبين، التي نجحت في تحويل رأس مالها البشري إلى مصدر مهم للدخل الوطني والتحويلات المالية ونقل المعرفة.
ولتحقيق ذلك، يحتاج الأردن إلى برنامج وطني لتأهيل الأطباء للأسواق العالمية، يقوم على إعداد الخريجين لاجتياز متطلبات الترخيص الدولية، وتوفير مراكز تدريب متخصصة، وعقد شراكات مع مستشفيات وجامعات عالمية، وتقديم الدعم والإرشاد في إجراءات الالتحاق ببرامج الإقامة خارج المملكة، إضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات تربط الأطباء الأردنيين باحتياجات الأسواق الدولية.
ويمتلك الأردن بالفعل المقومات التي تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً لتأهيل وتصدير الكفاءات الطبية، فهو يتمتع بجامعات ذات سمعة أكاديمية جيدة، ومستشفيات تعليمية معترف بها، وتعليم طبي باللغة الإنجليزية، فضلاً عن شبكة واسعة من الأطباء الأردنيين العاملين في مختلف دول العالم، وهي عناصر يمكن توظيفها لبناء صناعة وطنية قائمة على تصدير الخدمات الطبية والكفاءات البشرية.
وإذا نُفذت هذه الرؤية بصورة مؤسسية، فإن آثارها لن تقتصر على القطاع الصحي، بل ستمتد إلى الاقتصاد الوطني من خلال زيادة تحويلات الأطباء العاملين في الخارج، وتعزيز سمعة التعليم الطبي الأردني، وجذب الطلبة العرب، وتطوير البحث العلمي، وبناء شراكات صحية دولية، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات التدريب والاستشارات والخدمات الطبية.
وعند تقييم تكلفة برامج الإقامة أو تأهيل الأطباء، ينبغي ألا يُنظر إلى الطبيب باعتباره عبئاً مالياً، بل أصل اقتصادي طويل الأجل. ففي اقتصاد المعرفة، لم تعد الثروة تقاس بالموارد الطبيعية فقط، وإنما بقدرة الدول على بناء وتصدير رأس مالها البشري، والطبيب الأردني يمثل أحد أهم هذه الأصول.
