لم يعد السؤال حول ما إذا كانت العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الإيراني، إنما حول استطاعة النظام الإيراني الصمود في مواجهة المطرقة الأمريكية القاسية التي تضرب بعنف مفاصل الاقتصاد، وتقطع شرايين الحياة عنه.
المسؤولون الإيرانيون يعترفون بالتأثير السلبي للعقوبات التي لم تعد تقتصر على النفط والبنوك والشركات والأشخاص، إذ توسعت لتشمل الدول والجهات التي تتعامل مع طهران، عبر عقوبات ثانوية تستهدف الشركات ومسارات التجارة والتحويلات المالية، في خطوة وصفت ب«المنبوذ الاقتصادي»، وهي حملة واسعة تهدف إلى عزل إيران بشكل كامل عن النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه واشنطن، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إضعافها وإجبارها على فتح مضيق هرمز الذي استخدمته أداة ابتزاز للعالم في مجرى صراعها مع الولايات المتحدة.
وقد أقرَّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بوطأة العقوبات بقوله «يقول البعض إنه لا أثر للعقوبات على الإطلاق.. لا أعرف حقاً كيف أردّ على هؤلاء.. نحن في حالة حرب، ويجب أن نتقبل الظروف التي تفرضها الحرب». وأشار إلى أن الصادرات والواردات تراجعت بنسبة تتراوح بين 25 و35 في المئة خلال الأشهر الأخيرة.
وإذا كانت العقوبات قد انعكست حتى الآن على انخفاض غير مسبوق للريال الإيراني مقابل الدولار وتضخم بلغ 66 في المئة، وحجم التجارة الخارجية الذي تراجع بنحو 35 في المئة بسبب العقوبات والحصار البحري الذي تفرضه أمريكا على الموانئ الإيرانية، وموجة الغلاء التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة طاولت المواد الاستهلاكية الأساسية، وتضخم الأسعار بالنسبة للغذاء الذي تجاوز 128 في المئة، وسط تراجع القدرة الشرائية للأسر، وتآكل القيمة الحقيقية للأجور، إلا أن القيادات الإيرانية تكابر في التحدي، وتؤكد أن إيران تقف بحزم في مواجهة الضغوط الاقتصادية، ولذلك فقد عمدت إلى تقديم تحويلات نقدية ودعم الخبز، وتوسيع استخدام القسائم الغذائية الإلكترونية لدعم شراء السلع الأساسية من متاجر محددة.
وقالت الحكومة الإيرانية إنها ماضية في المسارين الدبلوماسي والدفاعي بالتوازي، إلى جانب التركيز داخلياً على خفض التضخم، وتوفير فرص العمل، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد على الدولار. وجاء في بيان منسوب إلى المرشد مجتبى خامنئي الذي لم يظهر حتى الآن منذ اختياره خلفاً لوالده «الحاجة إلى التعامل مع سلسلة التحديات المتعلقة بالاقتصاد ومعيشة الناس بجدية، مثل التضخم والبطالة وإدارة الأسعار وسوق السلع والخدمات».
هذا يعني أن هناك أزمة معيشية ثقيلة بدأت ترخي بظلالها على المجتمع الإيراني وقد تؤدي إلى زيادة الاحتقان في الشارع على غرار احتجاجات سابقة شهدتها البلاد على خلفية تردي الأوضاع المعيشية.
لكن، إلى أي مدى يمكن للنظام الإيراني أن يقف في وجه هذه الضغوط؟ طهران تقول إن اقتصادها قادر على الصمود أمام العقوبات، وإن الولايات المتحدة حاولت على مدى خمسة عقود تجفيف مصادر التمويل الإيرانية من دون جدوى. ويرى محللون أن فاعلية العقوبات الأمريكية تعتمد بدرجة كبيرة على وجود تعاون دولي واسع لتطبيق العقوبات، وهو غير متوفر حالياً خصوصاً مع القوى الكبرى التي تربطها مصالح تجارية واقتصادية واسعة مع إيران، مثل الصين وروسيا وباكستان والهند.
ربما تراهن واشنطن على إسقاط النظام الإيراني من خلال تشديد الحرب الاقتصادية، بعد أن فشلت الحرب بالصواريخ والطائرات في تحقيق هذا الهدف.. الأيام المقبلة كفيلة بإبلاغنا.