دخلت عقوبات «الإنزال الاقتصادي» الأمريكية على إيران حيز التنفيذ، وكان أول ضحاياها الريال الذي شهد هبوطاً تاريخياً متجاوزاً حاجز مليوني ريال للدولار الواحد، جراء العقوبات الأمريكية المشددة التي وُصِفت بأنها الأقصى في التاريخ، والتي تستهدف «خنق إيران» وقطع كل شرايينها الاقتصادية والتجارية مع العالم، من خلال فرض حظر فوري على جميع معاملات إيران، وعقوبات على ما يقارب 60 شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بإيران، إضافة إلى الطيران والأصول الرقمية والذهب والشحن والتكنولوجيا، وفرض عقوبات على كل دولة لا تلتزم بذلك.
إيران إذاً أمام واقع جديد، فهناك حصار لموانئها، وعزل مالي وتجاري، وتوقف كامل لعائدات النفط، واضطراب في التحويلات الأجنبية، ونقص في الاحتياجات التصديرية، وتصاعد في التضخم، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى الهبوط التاريخي للعملة.
وهكذا، فإن إيران تقف أمام معادلة جديدة، الاختيار بين المعاندة والإصرار على المواجهة أو القبول بالحلول السياسية الممكنة التي تعيدها إلى المجتمع الدولي وتخفف عنها أعباء هائلة لا يستطيع المواطن الإيراني تحملها على المدى البعيد، رغم كل الوعود التي يطلقها المسؤولون الإيرانيون بالقدرة على التكيف مع العقوبات وتجاوز الأزمة.
هناك قوى داخل المؤسسة الرسمية الإيرانية تنطلق من حسابات تتصل بميزان الردع، والخشية من أن يؤدي أي حل غير محسوب العواقب إلى تقليص هامش القوة الذي راكمته خلال السنوات الماضية، وبالتالي تفقد قوتها الداخلية وقدرتها على المناورة والمراوغة واستخدام الوسائل العسكرية في تحقيق أهدافها، وهناك قوى أخرى تميل إلى البرغماتية في علاقاتها الإقليمية والدولية وتدعو إلى وقف استنزاف قدرات إيران، وتحويل الضغط العسكري إلى مسار سياسي يخفف من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، وفتح الباب أمام تفاهم ممكن مع دول الجوار والعالم، ويخفف من السلوك الصدامي الأمريكي، وكل ذلك يصب في مصلحة الحفاظ على النظام والتخفيف من الكلفة الباهظة التي يمكن أن تدفعها إيران في ظل العقوبات الأمريكية.
فالحرب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإن وضعت أوزارها، فإن الحرب الاقتصادية الحالية البديلة ستؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والأسواق وفرص العمل وتهالك البنى التحتية، خصوصاً أن لا ضمانة فعلية في قدرة الدول التي تراهن عليها إيران على التصدي للعقوبات الأمريكية والوقوف معها، حيث لغة المصالح هي التي تحكم العلاقات بين الدول، وخصوصاً الكبرى منها.
قد يكون الرهان على استمرار الوساطات السياسية، ومن بينها ما تقوم به باكستان، أكثر جدوى، ولو في الحد الأدنى، ويفتح نافذة أمل على تحقيق اختراق يؤدي إلى صيغة تسوية بين طهران وواشنطن، وذلك من خلال الجهود التي يبذلها قائد الجيش عاصم منير ووزير الداخلية محسن رضا نقوي اللذين زارا إيران مؤخراً وأشارا إلى أن مباحثاتهما «انتهت عند نقطة إيجابية للغاية، وأن تقدماً كبيراً تم إحرازه».
يُذكر أن قائد الجيش الباكستاني كان قد تحدث إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل زيارته إلى طهران، وبحثا إمكانية «المساعدة في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة»، على أن يقوم منير بإبلاغ الجانب الأمريكي بنتائج مباحثاته في طهران.
يبدو أن الباب لم يغلق تماماً، رغم أن سوابق الوساطات لم تكن مشجعة.