الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
عادات جديدة رسختها التقنيات الحديثة

هل فقدنا متعة القراءة؟

1 سبتمبر 2026 01:07 صباحًا | آخر تحديث: 1 سبتمبر 01:21 2026
دقائق القراءة - 7
شارك
share
هل فقدنا متعة القراءة؟
icon الخلاصة icon
التقنية غيّرت شكل القراءة لا ألغتها؛ التشتت يقلل المتعة، والرقمنة توسّع الوصول، والطفولة والمدرسة تصنعان العادة؛ كتب تعيد حرية القارئ وحقوقه وتفاصيل شغفه
يتكرر في السنوات الأخيرة حديث واسع عن تبدل علاقتنا بالقراءة، في الندوات الثقافية، وعلى هامش معارض الكتب، وعلى منصات التواصل، كثيرون يلاحظون أن الناس لا يقرؤون اليوم بالطريقة نفسها التي قرأت بها الأجيال السابقة، وأن القراءة لم تعد مرتبطة بالمتعة كما كانت في ذاكرتهم عن الماضي، ومن هنا يظهر سؤال ملح عن مكانة القراءة في حياتنا المعاصرة، وعن الكيفية التي تغيرت بها، أكثر من كونه سؤالاً عن اختفائها التام.
من السهل اليوم إطلاق أحكام عامة عن «عصر الصورة» و«سطوة الهاتف الذكي»، لكن جوهر المسألة أعمق بكثير، فالقراءة لم تختف، وأنما تغيرت أشكالها ووظائفها وطبيعة علاقتنا بها، لذا بين الحنين إلى الماضي ومحاولة فهم الحاضر، يصبح من الضروري أن نراجع علاقتنا الشخصية بالكتاب، هل خسرنا حقاً متعة القراءة، أم أننا فقدنا فقط صورتها التقليدية؟

علاقة زمنية

في السنوات الماضية، كانت القراءة بالنسبة إلى كثيرين فضاء شخصياً يلوذون به طلباً للسكينة وتأمل الفكرة العميقة سعياً للفهم وتفسير الأحداث، ولم تكن القراءة دائماً مرتبطة بهدف محدد أو بفائدة مباشرة، بل كانت في كثير من الأحيان تجربة تتيح عيش الحكاية أو استكشاف فكرة أو الانطلاق في رحلة من الخيال.
وكانت المكتبة المنزلية جزءاً من المشهد الثقافي في كثير من البيوت العربية، بما تحويه من روايات، ودواوين شعر، وكتب تاريخ وسير، ولم يكن من الغريب أن يحتفظ القارئ بكتاب يقرؤه بعمق شديد، صفحة بعد صفحة، من دون استعجال، وهذا الإيقاع البطيء للقراءة كان جزءاً من متعتها، فالقراءة، في جوهرها، علاقة زمنية مع النص، كل كتاب يحتاج إلى صبر، وإلى مساحة من التركيز والهدوء.
لكن اليوم الواقع مختلف، إذ يعيش الإنسان داخل سيل متواصل من المعلومات، والهاتف في اليد طوال الوقت، والإشعارات لا تتوقف، والأخبار تتدفق من كل حدب وصوب، مع تبادل هائل للصور والمقاطع القصيرة التي تستهلك في ثوان. وفي هذا السياق، من الواضح أن الكتاب، بطبيعة قراءته البطيئة، يحتاج من القارئ أمراً لم يعد متاحاً بسهولة اليوم، ألا وهو «الوقت»، فالقراءة تحتاج إلى تركيز طويل نسبياً، وإلى قدرة على الانفصال المؤقت عن الزخم الرقمي، لكن معظمنا يعيش اليوم في حالة اتصال دائم بالعالم، وحتى عندما نحاول القراءة، نجد أنفسنا نعود إلى الهاتف بعد دقائق قليلة، ليست المشكلة إذن في الكتاب وحده، بل في الإيقاع العام للحياة، فالقراءة كانت دائماً فعلاً يتطلب عزلة قصيرة، أما في زمن السرعة، فالعزلة أصبحت ترفاً قد لا يتم بلوغه بسهولة.
على الرغم من كل ما يقال عن تراجع القراءة، تكشف معارض الكتب العربية عن واقع قد يبدو أكثر تعقيداً، فآلاف الزوار يتوافدون سنوياً، والكتب لا تزال تباع ولها جمهور واسع، حتى إن بعض الروايات على سبيل المثال تحقق انتشاراً واسعاً، فالأدب دائماً بوابة أساسية إلى عالم القراءة، فالرواية تحديداً تمنح القارئ تجربة فريدة لا يمكن للوسائط الأخرى أن تجاريها في معرفة العالم من خلال الكلمات.
غير أن الأدب نفسه لم يبق على حاله، إذ باتت بعض الروايات تكتب بإيقاع أسرع ولغة أبسط لتلائم القارئ المعاصر، ويرى البعض في هذا الاتجاه تنازل عن العمق، فيما يعده آخرون تطوراً طبيعياً يواكب روح العصر، وفي كل الأحوال، سيبقى الأدب القادر على ملامسة التجربة الإنسانية قادراً على إيجاد قارئه، مهما تغيرت الوسائط.
من هنا يمكن القول: إن القارئ لم يختف، وإنما حصل تغيير في بنية التلقي، فالقارئ اليوم يميل إلى الكتب التي تجذبه بسرعة، سواء من خلال العنوان، أو الغلاف، مع بعض التوصيات عبر وسائل التواصل، وعند اجتماع هذه العناصر كلها تصبح مؤثرة في قرار القارئ، إضافة إلى ميل البعض لتفضيل الكتب الخفيفة والسريعة القراءة، وهنا قد يرى بعض المثقفين في هذا التحول سبباً للقلق، لكنه في الحقيقة يعكس طبيعة العصر، حيث لم تعد القراءة النشاط الثقافي الوحيد، فهي اليوم تتقاسم الاهتمام مع وسائط فكرية عديدة، مثل الفيديو والبودكاست والمنصات الرقمية والألعاب، وفي وسط هذا المشهد المزدحم، يحاول الكتاب أن يستعيد موقعه من جديد.

الرقمنة

من المفارقات اللافتة أن التقنية، والتي تتهم غالباً بأنها السبب في تراجع القراءة، كانت أيضاً سبباً في توسيع آفاقها، فالقارئ اليوم يستطيع أن يحمل مكتبة كاملة في هاتفه أو جهازه اللوحي، بفضل الكتب الإلكترونية وتطبيقات القراءة والمكتبات الرقمية، والتي جعلت الوصول إلى النصوص أسهل من أي وقت مضى، إذ لم يعد الحصول على كتاب يتطلب زيارة مكتبة تقليدية، حيث أصبح متاحاً بكبسة زر وفي أي لحظة.
ولعل المشكلة اليوم لا تكمن في سهولة الوصول إلى الكتاب، وإنما في القدرة على التركز في ما نقرأ، فالكتاب الرقمي يوجد داخل الجهاز نفسه الذي يوفر كل شيء في اللحظة نفسها، سواء المراسلات أو الأخبار وإشعارات مواقع التواصل الاجتماعي، وبين صفحة وأخرى، يمكن أن ينصرف القارئ عن القراءة من دون أن ينتبه.
للوقوف على جذور هذه المسألة بعمق، علينا النظر إلى الأساس، فالعلاقة مع القراءة تبدأ عادة في الطفولة، الطفل الذي يرى الكتب في منزله، ويقرأ له الوالدان قبل النوم، أو يملك مكتبة صغيرة في غرفته، ينشأ وهو يعتبر القراءة جزءاً طبيعياً من يومه، أما اليوم، فكثير من الأطفال يتعرفون إلى الشاشات الرقمية قبل الكتب، إذ يصبح الهاتف أو الجهاز اللوحي وسيلة الترفيه الأولى، بينما يتأخر الكتاب إلى مرحلة لاحقة إن حظي بفرصة أصلاً.
هذا لا يعني أن الأطفال فقدوا فضولهم أو خيالهم، بل إن الوسيط المعرفي هو الذي تغير، فالقصص التي كانت تقرأ على الورق أصبحت تقدم اليوم عبر الرسوم المتحركة والألعاب الرقمية، وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة، فحب القراءة لا ينشأ تلقائياً، بل يبنى تدريجياً مثل أي عادة أخرى، ومن المهم القول هنا: إن المؤسسة التعليمية، التي يفترض أن تقرب الطالب من الكتاب، تكون أحياناً سبباً في ابتعاده عنه، إذ غالباً ما ترتبط القراءة في أذهان الطلاب بالامتحانات والواجبات المدرسية لا بالمتعة وحب المعرفة.
وحين يتحول الكتاب إلى مادة للحفظ والتلخيص، يفقد جزءاً من روحه، وتتحول القراءة معه إلى مهمة ينبغي إنجازها لا إلى تجربة شخصية ممتعة، لذلك يؤكد كثير من التربويين أن تشجيع القراءة الحرة داخل المدرسة لا يقل أهمية عن تدريس النصوص المقررة، فحين يختار الطالب كتابه بنفسه، يقرأ بدافع الفضول والرغبة، لا بدافع الواجب والالتزام الأكاديمي البحت.
كثيرون يقرؤون يومياً، لكن قراءاتهم تتوزع بين المقالات القصيرة والمنشورات والرسائل والمحتوى الرقمي المتنوع، وهي وبالرغم من كونها قراءة متقطعة، فإنها تبقى نوعاً من القراءة، غير أن هذا النمط السريع على شكل ومضات فكرية، لا يشبه بأي حال قراءة الكتب بهدف الحصول على تجربة فكرية عميقة وأكثر حضوراً، لذلك، يُعد الكتاب دائماً مساحة للتأمل.
ومن المنصف القول إنه لا يزال هناك قرّاء يجدون في الكتاب ملاذاً من صخب العالم، ولا تزال المكتبات ومعارض الكتب تشهد لقاءات يومية بين القراء والكتب، ربما لا يعود الزمن إلى الوراء، وربما لن تصبح القراءة النشاط الثقافي الأول كما كانت في بعض السنوات السابقة، لكن هذا لا يعني أنها فقدت قيمتها، فالكتاب على الدوام كان رفيق اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى الهدوء والتجلي الفكري.
من السهل أن نقارن الحاضر بالماضي ونشعر بأن شيئاً مفقوداً هذه الأيام، لكن نظرة على التاريخ الثقافي تدرك معها أن أشكال المعرفة تتغير دائماً، ففي زمن ما، خشي الناس أن تؤدي الطباعة إلى إضعاف الذاكرة، لأن الكتب ستجعل الإنسان يعتمد على النص المكتوب بدلاً من الحفظ، ومع ذلك أصبحت الطباعة واحدة من أعظم أدوات المعرفة في التاريخ، كذلك اليوم نعيش تحولاً مشابهاً، والوسائط الجديدة تغير طريقة تعاملنا مع النصوص، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التفكير والخيال والكتاب، ورغم كل شيء، ما زال الكتاب واحداً من أفضل الأدوات التي يجد فيها الإنسان متعته الفكرية.
ربما نكون فقدنا متعة القراءة جزئياً، وربما فقط غيرنا طريقتها، لكن الحقيقة الأوضح أن القراءة، مثل أي عادة ثقافية، تحتاج إلى قرار ووعي شخصي.

ميثاق تحرري

يعيد كتاب «متعة القراءة» للكاتب الفرنسي دانيال بناك، اكتشاف فعل القراءة كمتعة وحرية شخصية، بعيداً عن الفرض والواجب التربوي الذي غالباً ما يثقل كاهل القارئ، يتناول الكتاب العلاقة المعقدة بين القراءة والقارئ، خاصة الأطفال والمراهقين، ويسلط الضوء على الأساليب الخاطئة في التعليم والتربية التي حولت الكتب من بوابة للعوالم الساحرة إلى عبء ثقيل يثير النفور، ومن خلال أسلوبه الفكاهي الخفيف، يدعو بناك القراء سواء كانوا نقاداً مثقفين أو قراء عاديين، إلى النظر في القراءة كفعل إرادي يشبه الحب أو الحلم، لا يمكن إجباره أو فرضه بأمر صارم.
ينطلق الكاتب من فرضية رئيسية جريئة مفادها أن الفعل «قرأ» لا يتحمل صيغة الأمر، تماماً مثل «أحب» أو «حلم»، فهو ينبع من الداخل لا من الضغط الخارجي، يرى بناك أن السبب الرئيسي في عزوف الأجيال الجديدة عن الكتب يكمن في المناهج المدرسية الجامدة والإلزامات التربوية، مثل مطالبة التلميذ بقراءة مئات الصفحات ثم تلخيصها في تقارير مملة، مما يحول القراءة إلى «أشغال شاقة» بدلاً من مغامرة ممتعة، متوجهاً للآباء والمعلمين كدليل عملي لإيقاظ الشغف الكامن لدى الأطفال دون إكراه.
أما أبرز ما يميز الكتاب فيمثله «حقوق القارئ الدائمة» العشرة، التي يقدمها بناك كميثاق تحرري يعيد للقارئ سيادته على اختياراته، يبدأ بالحق الأول في عدم القراءة إطلاقاً، اعترافاً بأن القراءة فعل إرادي حر لا يفرض، يتبعه الحق في القفز فوق الصفحات غير المثيرة، مما يسمح بتخطي الأجزاء الرتيبة، كذلك، الحق في عدم إنهاء الكتاب إذا فقد جاذبيته، فلا إلزام بإكماله إن تحول إلى واجب، ويؤكد الحق في قراءة أي شيء يروق للقارئ، دون التقيد بتصنيفات زائفة بين «أدب رفيع» و«أدب رخيص»، مع الحق في الصمت التام بعد القراءة، دون الحاجة إلى تحليل إجباري أو مناقشة عميقة.

ومضات ساحرة

يمثل كتاب «الأفضل أن أقرأ كتاباً: مباهج القراءة ومعضلاتها» لآن بوقل، من ترجمة عبدالله الأسمري، رحلة داخل عالم القراءة، تمزج بين تجاربها الشخصية وتأملاتها حول هوية القارئ، وكيف يصنع الكتاب فينا أكثر مما نتوقع، ويعتبر كتاب عن القارئ بقدر ما هو عن القراءة نفسها، وعن شغفه الذي يتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة كامل يعكس ذاته، وبأسلوب خفيف تبوح بوقل بأول ذكرياتها مع الكتب، أول عمل أسر قلبها، أول مكتبة شعرت فيها بالانتماء، وكيف أصبحت القراءة جزءاً لا يتجزأ من هويتها اليومية، مصحوبة بتلك الروائح والطقوس الفريدة للمكتبات الساحرة.
تطرح بوقل أسئلة حميمة قريبة من قلب كل قارئ، مثل كيف نختار كتاباً جيداً يلامس الروح؟ وماذا يحدث حين نقع فريسة لكتاب سيئ يخيب الآمال؟ لماذا نرتبط ببعض الكتب ارتباطاً غامضاً لا يفسر، وهل هي أحياناً من تختار قارئها لا العكس؟ تتحدث عن حياة القارئ اليومية، وهو يبحث وراء توصيات جديدة، أو يخطط لقراءته القادمة بدقة أو يتركها للمصادفة السعيدة، أو يعيد ترتيب مكتبته مراراً لترتيب ذاته الداخلية، حيث إن هذه اللحظات تحول القراءة إلى مرآة للنفس، مليئة بمباهج الاكتشاف ومعضلات الاختيار.
تتناول بوقل مشاكل القارئ النهم بصدق، مثل مراحل نضوجه من المبتدئ إلى الخبير، والركود القرائي الذي نعالجه بالعودة إلى كتاب قديم نحبه كعلاج، وتتوقف عند موضوعات مهمة، كمشاركة العناوين المفضلة، وسجلات القراءة، وكتابة المذكرات القرائية، التي تخلق مجتمعاً ثقافياً صغيراً حولنا، كما تكشف جزءاً من كواليس تجربتها، حيث عملت بائعة كتب، وتصف المكتبات كأماكن تحمل روحاً خاصة برائحتها وملامحها، حتى صفحات الشكر في الكتب تُقرأ كشهادة على الجهد الجماعي والكواليس المخفية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة