حين يقول الدكتور أنور قرقاش إن الحملات الإعلامية الموجهة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة «يائسة»، وإنها تقوم على التشويه والإشاعة في مواجهة الإرادة والإنجاز، فهو يضع توصيفاً واضحاً لظاهرة أصبحت أكثر حضوراً في المجال الإعلامي الإقليمي: محاولات متكررة لصناعة صورة مغايرة للواقع الإماراتي، عبر أخبار مبتورة، واستنتاجات متعجلة، وشائعات تُبنى أحياناً على معلومات مجهولة المصدر ثم يعاد تدويرها حتى تبدو كأنها حقيقة.
المسألة هنا تتجاوز خبراً كاذباً يظهر ثم يختفي. نحن أمام تنافس على الرواية، وعلى تشكيل الانطباع، وعلى التأثير في وعي الجمهور خلال مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتصبح فيها الكلمة المضللة قادرة على إرباك الأسواق، وإثارة القلق، وتشويه المواقف، وفتح مساحات واسعة للتأويل. ولهذا جاءت دعوة قرقاش إلى المصداقية والدقة في الإعلام متسقة مع نهج إماراتي يعرف قيمة المعلومة، ويعرف أيضاً أن الدولة الواثقة من إنجازها لا تحتاج إلى الانجرار خلف كل صوت مرتفع.
ومن يتابع مسيرة الإمارات يدرك لماذا يستفز نجاحها بعض أصحاب الخطابات المأزومة. أمامهم دولة بنت خلال عقود قليلة نموذجاً تنموياً وسياسياً وإدارياً استطاع الجمع بين الاستقرار والطموح، وبين الهوية الوطنية والانفتاح، وبين الاقتصاد المتقدم والأمن المجتمعي، وبين جودة الخدمات وسرعة التحول نحو المستقبل. المواطن يرى نتائج هذا النموذج في حياته اليومية، والمقيم يختبرها في الأمن والخدمات والفرص واحترام القانون، والزائر يلمسها منذ لحظة وصوله. هذه حقائق يصعب محوها بمنشور مجهول أو حملة موسمية.
والأكثر إزعاجاً لمن يهاجمون الإمارات أن العلاقة بين القيادة الرشيدة والمجتمع لم تُبنَ على الشعارات، وإنما على تجربة ممتدة من الثقة والعمل والإنجاز. هناك ولاء وطني راسخ لدى المواطنين، وثقة كبيرة لدى المقيمين في دولة اختار الملايين أن يعيشوا ويعملوا ويربوا أبناءهم فيها، لأنهم وجدوا مؤسسات فعالة، وبنية تحتية متطورة، وخدمات حكومية رقمية، وأمناً، واستقراراً، وفرصاً للحياة والعمل يصعب تجاهلها. ومن هنا يبدو حجم الضيق عند بعض الأصوات مفهوماً، فهي تقارن واقعاً ناجحاً بخطابات عاجزة عن إنتاج ما يماثله.
السياسة الإماراتية أيضاً تتحرك بهدوء محسوب. في الأزمات الإقليمية، تحافظ الإمارات على وضوح مصالحها، وعلى استقلال قرارها، وعلى حضور دبلوماسي يدير الملفات المعقدة بقدر كبير من الاتزان. وتقوم وزارة الخارجية بدور أساسي في تثبيت الموقف الرسمي، وتصحيح المعلومات، والتعامل مع القضايا المختلفة بلغة دولة تعرف ما تريد، وتدرك أن قوة الموقف تنبع من المصداقية ومن القدرة على تحويل السياسة إلى نتائج قابلة للقياس.
لهذا فإن حملات التشويه تواجه مشكلة بنيوية منذ بدايتها: هي تحاول إقناع الناس بعكس ما يعيشونه ويرونه. يمكن صناعة شائعة عن الاقتصاد، ويمكن بث أخبار زائفة عن الخدمات، ويمكن تضخيم حادثة أو اقتطاع تصريح من سياقه، لكن من الصعب أن تقنع مواطناً أو مقيماً بأن تجربته اليومية غير موجودة.
ومن الصعب أن تنال حملة إلكترونية من دولة تتحدث مطاراتها وموانئها ومدنها وجامعاتها ومستشفياتها وخدماتها ومؤسساتها بلغة الإنجاز كل يوم. ويزداد معنى ذلك عندما تصبح المعلومة جزءاً من أدوات الصراع. فالشائعة التي تمس المصارف أو الملاحة أو العلاقات الخارجية قد تتحول خلال ساعات إلى مادة تتناقلها حسابات ومنصات عابرة للحدود، ثم تُبنى عليها قراءات سياسية واقتصادية قبل التحقق من أصلها.
هنا تظهر قيمة السجل المؤسسي للدولة، فالمصداقية المتراكمة تمنح البيان الرسمي وزناً، وتجعل الجمهور أكثر قدرة على التمييز بين الخبر المهني والمحتوى المصمم للإثارة. كما تكشف هذه الحملات مفارقة واضحة: الذين يستهلكون وقتهم في محاولة الانتقاص من تجربة الإمارات كان يمكنهم أن ينفقوا ذلك الجهد في تطوير مجتمعاتهم ومؤسساتهم، وهي الفكرة التي أشار إليها قرقاش بوضوح حين وصف استهداف الإمارات بأنه هدر للجهد والمال، كان البناء والتنمية أولى به. فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، لأنه يفرض حضوره حين ينعكس على حياة الناس.
في زمن التضليل، تصبح الثقة الوطنية أحد أهم عناصر القوة. والإمارات تملك رصيداً كبيراً منها، صنعته قيادة رشيدة وضعت الإنسان في قلب مشروعها، ورسخته مؤسسات تعمل، وسياسة خارجية تحمي المصالح الوطنية، ومجتمع يدرك قيمة الاستقرار والإنجاز. أما المرجفون، فسيواصل بعضهم المحاولة كلما حققت الإمارات تقدماً جديداً، وسيبحثون عن ثغرة في الرواية بعدما عجزوا عن مواجهة الواقع.
والجواب الإماراتي سيبقى كما وصفه الدكتور أنور قرقاش: العمل أقوى من ردود الفعل. نموذج الإمارات سيظل قوياً، متيناً، واثقاً، لأن صلابته ليست نتاج حملة علاقات عامة، وإنما ثمرة عقود من البناء، وثقة مجتمع، وكفاءة مؤسسات، ورؤية قيادة تعرف طريقها. من أراد أن يفهم الإمارات فليقرأ إنجازاتها. ومن أراد تشويهها فسيكتشف، مرة بعد مرة، أن الضجيج ينتهي، بينما يبقى ما بُني على الأرض.
*دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
