الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الرواية وتفكيك اليقين

2 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 2 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
عمل السرد المعاصر على القضاء على الكثير من المسلمات وعادات التفكير التقليدية، وتحطيم الخرافات عبر ما يمكن أن نطلق عليه «تفكيك اليقين»، وهو استراتيجية فنية وفلسفية تهدف إلى زلزلة القناعات الثابتة لدى القارئ، وتحطيم فكرة «الحقيقة المطلقة» أو «الرواية الواحدة» للأحداث. وكانت البداية بالتخلص من البطل المطلق الخارق الذي يقوم بفعل كل شيء، لمصلحة الأبطال العاديين من أبناء وبنات الواقع المعيش، ما يعني أن الأدب نجح بقدر كبير في صنع طرائق تفكير جديدة تستجيب لروح العصر الجديد، وتنزع تلك الرومانسية غير الواقعية التي اتسمت بها الأعمال السردية الكلاسيكية.
ولعل مفهوم «تفكيك اليقين» قد ارتبط بشكل كبير بآداب ما بعد الحداثة، ونجد تجلياته الأبرز في الرواية، والشعر إلى حد ما، إذ يرى الكاتب أن الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختزل في يقين معين أو حقيقة ثابتة، وعمل الأدب على ذلك التفكيك بوسائل عدة وآليات وتقنيات متنوعة منها التخلص كذلك من الراوي التقليدي الذي كان مصدر ثقة للقارئ بوصفه عليماً بكل شيء، واستبداله بآخر متشكك، ما يربك القارئ، وهذا الإرباك مقصود في حد ذاته في واقع غير مطمئن.
في الرواية الحديثة باتت كل شخصية تمتلك حقيقتها الخاصة بناءً على خلفيتها ومرجعيتها وجذورها، ما يجعل القارئ أمام حقائق نسبية يصعب معها ترجيح يقين على آخر، كما بات الأدب الروائي التفكيكي يعتمد على فكرة النهايات المفتوحة والمتعددة بدلاً من النهاية الواحدة الحاسمة التي تتحكم في مسار السرد بثيمات معروفة مثل انتصار الخير على الشر، وأصبح العمل السردي ينتهي بطرح أسئلة لا إجابة لها، أو بتقديم نهايات احتمالية متعددة ومتروكة لخيال القارئ، ما يحرمه من شعور الراحة واليقين اللذين تأتي بهما الخاتمة القديمة، لكن في ذات الوقت فإن مثل هذه الخواتيم تحرض على التفكير.
يكسر الأدب السردي الحديث «الجدار الرابع»، ويمارس المؤلف لعبة المراوغة، ليذكر القارئ بأنه يمارس فن قراءة «لعبة لغوية»، أو وهم تصنعه الكتابة، وليس واقعاً حقيقياً، وهذا التذكير المستمر يضرب يقين المتلقي واندماجه العاطفي في الحكاية، ويأتي في سياق ذلك استخدام لغة مجازية مراوغة تحتمل التأويل وتتجنب المباشرة لتصنع مساحة كبيرة من الشكوك، فالكلمات في الأدب الحديث لم تعد تشير إلى دلالة ثابتة، بل تصبح اللغة نفسها محل شك، حيث تعجز عن التعبير الدقيق عن الواقع المعقد، ما يولد شكاً في وعي الإنسان بنفسه وبالعالم، فقد تحول الأدب من أداة لنقل الحقائق الجاهزة إلى مساحة تفاعلية تضع اللغة والواقع محل تساؤل مستمر، وتجعل القارئ شريكاً حقيقياً في صنع المعنى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة