الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

وباء «الانهيار» المتفشي

3 سبتمبر 2026 00:24 صباحًا | آخر تحديث: 3 سبتمبر 00:26 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ما هو التميز أو «الانتصار» الذي يبحث عنه اللاهثون خلف «لقطة» درامية يسرقونها من مشهد إنساني مؤلم؟ لماذا أصبح وجع الإنسان فرصة ذهبية لكثير ممن يقتاتون على موائد السوشيال ميديا وينهشون لحم الناس خصوصاً المشاهير، علهم يكسبون بعض الشهرة ويزيدون أعداد المتابعين والمعجبين؟!
ما الغريب في أن تنهار الفنانة نجلاء فتحي في لحظة وداع ابنتها الوحيدة ياسمين رحمها الله؟ لماذا كان الحدث «انهيار الفنانة»، والتقاط الصور لها عن قرب والتركيز على ملامح وجهها وحبذا لو أمكن التقاط دموع عينيها كي يبدو المشهد مؤثراً وتحصد الصفحات المزيد من الإعجاب والمتابعة؟ والعنوان العريض ككل مرة يرحل فيها قريب لفنان «شاهدوا دموع فلان» و«شاهدوا انهيار فلانة».. ولا نرى في الصور دمعة واحدة ولا انهياراً حقيقياً، بل أحزان طبيعية ولحظات وداع مؤثرة يجب أن نحترمها ونقدّر مشاعر المشاهير ونمنحهم مساحة كافية للتعبير عن أنفسهم وعن أحزانهم.
مهين جداً ما نقرأه ونشاهده على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي وعلى صفحات ما يسمونه مواكبة إعلامية مباشرة لأحداث شخصية وخاصة جداً، ومخجل كيف تحولت المآتم إلى سيرك للفضوليين، ومن يدّعون العمل في مجال الصحافة والإعلام، ومؤسف كيف يتعمدون نشر هذا الوباء، لكي تتبلد مشاعر الناس فتتلاشى القيم الإنسانية والأخلاقية، وتصبح المآسي والمآتم موائد تفتح شهية المتسلقين والعابثين.
في كل عزاء ومع كل وفاة لها علاقة بشخصية عامة يتكرر المشهد اللاإنساني، ما يدفعنا دائماً للسؤال عن أسباب تلك الوقاحة التي وصل إليها بعض المستفيدين من التكنولوجيا على حساب آدميتنا، أفليس هناك من ضوابط وقوانين وعقوبات تُفرض عليهم للحد من تلك الممارسات غير المقبولة وغير الأخلاقية؟ أليس هناك من جهات تلاحق العابثين بمشاعر الناس وكل من تخوّل له نفسه تتفيه المناسبات المؤلمة وتحويلها إلى خبر وصورة لإرضاء الفضوليين، ما يعني في زمن انتشار صفحات ووسائل التواصل الاجتماعي تحويل الحزن والمشاعر الإنسانية إلى ترند، والترند يغذي فضول الناس ويحثهم على اللحاق بالتفاهة وتأمل ملامح الأم المفجوعة ودموع الأب المكلوم والتدقيق في تفاصيل لحظات الوداع المؤلمة من حيث أسماء المتوافدين للعزاء وملابس فلان وفلانة ومن بكى ومن «انهار»، لدرجة أن كلمة «انهيار» صارت الترند في كل وداع ودفن وعزاء!.
الانهيار الحقيقي الذي نشهده اليوم هو انهيار الأخلاق والقيم وتلاشي المشاعر وانعدام التعاطف، ونشهد مراحل دفن احترام أحزان الآخرين وآلامهم وأحزانهم والتعاطف معهم بلا متاجرة بأوجاعهم ومآسيهم، كأن المُصاب الكبير لا يكفي وحده كي نربت على كتف المحزون، ولا يكفي لنتمسك بالقيم ونحرص على انتشارها في مواجهة وباء «الانهيار» المتفشي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة