الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سوريا وروسيا.. نهاية القواعد أم إعادة صياغة النفوذ؟

3 سبتمبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 3 سبتمبر 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د.صلاح الغول
بعد نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد، تكشف مذكرة التفاهم السورية-الروسية بشأن حميميم وطرطوس عن تحول يتجاوز إعادة ترتيب الوجود العسكري الروسي. فالمذكرة تعكس تغيراً في ميزان العلاقة بين دمشق وموسكو: من علاقة قامت، خلال سنوات الحرب، على الرعاية الروسية والاعتماد السوري، إلى علاقة تفاوضية أصبحت فيها دمشق أقدر على تحديد حجم الدور الروسي وحدوده.
وبموجب الاتفاق، تتحول القاعدتان الروسيتان إلى «مركزين مشتركين للتدريب والتأهيل»، مع بقاء عدد محدود من المتخصصين الروس، بينما تصبح إدارة ميناء طرطوس ومطار حميميم المدنية سورية. لكن هذه الصيغة لا تعني نهاية الوجود الروسي، بقدر ما تعني انتقاله من وضع عسكري سيادي إلى وجود مشروط تستطيع دمشق معايرته وفق مصالحها.
وهنا تكمن الدلالة الأهم. فروسيا تحتاج إلى سوريا لأسباب استراتيجية تتصل بوصولها إلى المتوسط وبشبكة إمداد عملياتها في إفريقيا، في حين لم تعد دمشق تحتاج إلى موسكو بالقدر نفسه الذي كانت تحتاج إليها خلال الحرب. ومن ثم، أصبحت العلاقة أقرب إلى «مؤشر ضبط»: ترفع دمشق مستوى التعاون مع روسيا أو تخفضه تبعاً للبيئة الإقليمية والدولية، وحجم ما تحصل عليه من شركائها الآخرين.
وقد ظهر ذلك في تراجع الوجود الروسي بالتزامن مع تصاعد الانخراط الأمريكي في سوريا. فإغلاق قاعدة القامشلي في يناير/ كانون الثاني 2026، ثم إعادة صياغة وضع حميميم وطرطوس، يعكسان مساراً متدرجاً لتقليص البصمة العسكرية الروسية. غير أن قراءة ذلك بوصفه خروجاً روسياً نهائياً ستكون متسرعة.
فالقواعد ليست سوى الشكل الأكثر وضوحاً للنفوذ. أما أدواته البديلة فقد تكون اقتصادية ولوجستية واجتماعية. وقد تكشف محاولات موسكو الاحتفاظ بمصالح تجارية في طرطوس أن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة على القاعدة العسكرية، وإنما القدرة على بناء شبكات نفوذ من خارجها.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الاتفاق ليس: هل غادرت روسيا سوريا؟ وإنما: هل تستطيع سوريا الجديدة إغلاق المسارات التي تسمح بإعادة إنتاج النفوذ الروسي؟
هنا تحديداً تتقدم مسؤولية دمشق وشركائها العرب. فنجاح المرحلة الانتقالية يتطلب دمج المكونات السورية، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة إعمار لا تقوم على مكافأة طرف ومعاقبة آخر، وتقليص التبعية الاقتصادية. وكلما نجحت الدولة في إغلاق هذه الفجوات، تراجعت قدرة أي قوة خارجية على تحويلها إلى أوراق نفوذ.
ومن هذه الزاوية تبرز أهمية الدور العربي والخليجي، والإماراتي بصورة خاصة. فالمطلوب من الدول العربية ليس الدخول في منافسة مع روسيا على النفوذ، وإنما المساعدة في إزالة الشروط التي تسمح بإعادة إنتاج النفوذ الخارجي. وإعادة إعمار الساحل تمثل في هذا السياق مجالاً بالغ الأهمية، لأن الاستثمار إذا اقترن بالاندماج الاجتماعي والحوكمة الرشيدة وتوزيع فرص العمل والمنافع بصورة عادلة، فإنه يصبح أداة للاستقرار، وليس مجرد نشاط اقتصادي.
وتملك الإمارات، في هذا المجال، موقعاً مميزاً. فحضورها في الساحل السوري لا يقتصر على الدعم السياسي، وإنما يتصل بمشروعات اقتصادية ولوجستية ذات طبيعة طويلة الأمد. ويأتي تطوير ميناء طرطوس بواسطة «دي بي ورلد» في مقدمة هذه المشاريع، باستثمار يبلغ 800 مليون دولار على مدى 30 عاماً، بما يستهدف تحويل الميناء إلى بوابة تجارية ولوجستية تربط سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية هذا الدور إذا جرى النظر إليه من منظور أوسع: فإعادة بناء الموانئ والبنية التحتية لا تعني فقط إعادة تشغيل الاقتصاد السوري، وإنما يمكن أن تساعد على إعادة وصل سوريا بمحيطها العربي والمتوسطي، وتقليل اعتمادها على أي قوة خارجية واحدة.
لكن نجاح الدور الإماراتي والخليجي يظل مشروطاً بطريقة إدارة التنمية نفسها. فالاستثمارات في الساحل يجب ألا تتحول إلى مشاريع منفصلة عن النسيج الاجتماعي، وإنما إلى جزء من عملية إعادة إعمار شاملة يستفيد منها السوريون بمختلف مكوناتهم. فمشاريع الموانئ والعقارات والزراعة يمكن أن تصبح فرصاً للاستقرار أو مصادر جديدة للتفاوت، تبعاً لكيفية توزيع منافعها وفرص العمل.
ومن ثم، فإن الدور العربي، والإماراتي خصوصاً، يمكن أن يسهم في تحقيق معادلة تتجاوز فكرة «ملء الفراغ الروسي». فالهدف ليس استبدال نفوذ بنفوذ، وإنما تحويل الفراغ إلى دولة، دولة تمتلك مؤسساتها، وتعيد بناء اقتصادها، وتدمج مكوناتها، وتتعامل مع القوى الخارجية من موقع المصلحة الوطنية لا من موقع التبعية.
في النهاية، لا يمثل اتفاق حميميم وطرطوس نهاية النفوذ الروسي في سوريا، وإنما نهاية صيغة معينة من هذا النفوذ. أما ما إذا كان النفوذ سيعود من بوابات الاقتصاد والمجتمع والسياسة، فسيتوقف بدرجة أكبر على نجاح السوريين وشركائهم في بناء دولة متماسكة.
فأفضل وسيلة للحد من النفوذ الروسي ليست إخراج روسيا من سوريا فقط، وإنما إغلاق الفجوات التي تسمح لأي قوة خارجية بالنفاذ إليها. وعندما تصبح الدولة السورية أكثر أمناً وتماسكاً، وتصبح إعادة الإعمار مشروعاً وطنياً شاملاً، يتحول تراجع القواعد الروسية من مجرد تغيير في الخريطة العسكرية إلى بداية فعلية لمرحلة سورية جديدة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة