ليس من مصلحة المنطقة أن تطول حالة اللاحرب واللاسلم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فقد دخلت الأزمة في شهرها السابع وتحولت إلى فضاء لاستعراض القوة والتراشق بالتهديد والوعيد من دون أن ترسو الأوضاع على بر الأمان، كما تأمل أغلب الأطراف المعتدلة والداعية إلى ترسيخ السلام وحماية الإقليم من مخاطر الانزلاق نحو المجهول.
بفعل هذه الأزمة غير المبررة، يعيش الشرق الأوسط برمته تحت وطأة واحدة من أعقد المعادلات السياسية والأمنية، إذ يتبادل الطرفان الأمريكي والإيراني الرسائل المشفرة والضربات العسكرية في مسعى إلى جعل المنطقة تقف على حافة الهاوية ولا تتجاوزها إلى مواجهة عسكرية شاملة أو إيجاد أفق لسلام حقيقي أو تسوية دبلوماسية مقنعة. وبين هذا وذلك تستفحل ظاهرة خطرة من التضليل وتزوير الحقائق وتشوية الوعي الجمعي لشعوب المنطقة عبر بث روايات ومزاعم موجهة تروّج لانتصارات وهمية يكذبها الواقع، وتخفي الكلفة الاقتصادية والإنسانية الباهظة بسبب استفحال حالة الانقسام والجمود الإقليميين.
إدارة الأزمة على حساب مصالح دول المنطقة وتطلعات شعوبها لا يجب أن تستمر. وبالنسبة إلى الدول العربية، التي تتعرض من حين إلى آخر لاعتداءات إيران واستفزازاتها، فإن مصلحتها تقتضي صياغة استراتيجية جماعية ترفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتضغط باتجاه فرض حلول سياسية ترتكز على احترام السيادة الوطنية والالتزام بقواعد حسن الجوار كشروط أساسية لا تقبل المساومة لبناء أي تفاهمات إقليمية مستقبليّة.
فمن حق الدول العربية، ولا سيما دول الخليج العربية، أن يكون لها دور فاعل ومحوري في صياغة أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية تخص المنطقة، وألا تبقى مجرد مراقب أو متلقٍ لنتائج صفقات تُعقد وراء الكواليس. ولن يتم ذلك إلا بأن تكون هذه الدول شريكاً أصيلاً في المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني وشبكات الميليشيات المسلحة، لضمان تحويل أي اتفاق إلى ضمانة حقيقية للأمن والاستقرار، وليس مجرد تسوية مؤقتة تجعل الإقليم رهينة للتجاذبات، وتؤجل الصراع إلى جولات أخرى من المواجهة.
قبل ثلاثة أشهر من الآن، تم التوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الصراع بين واشنطن وطهران. وكان واضحاً من طريقة إخراج تلك المذكرة ومشاهد التوقيع عليها أنها لم تكن سوى مرحلة لترحيل الأزمة العميقة. وبدل إنهاء الحرب، فرضت هدنة مؤقتة وهشة تمثلت أخطر تداعياتها في استمرار إغلاق مضيق هرمز الحيوي وتعطيل حركة الملاحة البحرية، ما رفع كلفة الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وسدد ضربة مؤلمة للاقتصاد العالمي الذي لم يتحرر من تأثيرات جائحة كورونا والحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا في أوروبا.
الإصرار على إشاعة التوتر حول مضيق هرمز وتوظيفه أداة للابتزاز السياسي يكشف عن نوايا مشبوهة تفضح زيف التعهدات الدبلوماسية السابقة بالعمل على تحرير الملاحة من الابتزاز والاستنزاف، وتؤكد أن كثيراً من مظاهر هذه الأزمة مصطنع ويتعمد اختلاق ذرائع وأوراق للمساومة في صراع لا ناقة لشعوب المنطقة فيه ولا جمل.
