هل تسمح بالحديث عن الذوق، في نطاق الثقافة، بمفهومها المحدود، أي الآداب والفنون؟ كلمة استشراف فضفاضة، فالجيل، من المراهقة إلى عتبة الكهولة، مختلف، في النشأة ومؤثرات التكوين، عمّا قبل المعلوماتية والشبكة ووسائط التواصل.
المترجمون يشطّون أحياناً، فالعبارة الإنجليزية والفرنسية، «خلاف الأجيال»، نقلوها إلى «صراع الأجيال»، وقد يقفز من يريد «هنتجتها» فيجعلها: صدام الأجيال، فيصبّ زيتاً جديداً على سعير ما يشهده العالم من صدام الحضارات. هل يعود صمويل هنتنجتون إلى الواجهة بتفاعل الفلسفة والجغرافيا السياسية؟ لكن، من الصعب القطع بأن الإمبراطورية تمثل الحضارة الغربية، فلا أحد يدّعي معرفة القيم الحضارية التي ترمي إلى نشرها، وتدعو الأمم والشعوب إلى تبنّيها والاقتداء بها.
منطلق الفرس، في جردة حساب تحوّلات الذوق لدى الجيل الصاعد، هو أن الحبل السرّي، الذي يربطه بالثقافة العربية القرونية، ضئيل التغذية. الذنب ليس ذنبه، فالمسؤولية تقع على الأسرة والمناهج، وتنتهي بالأوساط الثقافية والمجتمع. لا يحق لأحد سؤال هذا الجيل: ما مصير نفائس تاريخ أدبنا العربي، من الجاهلية إلى العصور الإسلامية، إذا صارت بنات العرب وأبناؤهم لا تغريهم ولا تغويهم بدائع المعري وأبي حيان التوحيدي وعشرات كلهم في القمة؟ سيكون الجواب المختصر المفيد: «إذا لم تستطع شيئاً فدعهُ.. وجاوزه إلى ما تستطيعُ».
الآن دور جنابك، أن تسأل وتجيب: هل انفصام العُرى مع ميراثنا الثقافي العربي يعني أن النشء الجديد سيرتمي في أحضان دوستويفسكي وشكسبير وفيكتور هوجو؟ وعليك أن تكمل المشوار، فالقلم ليس وحده «حمّال الأسية». أبناؤنا وأحفادنا معهم حق، فلا عاقل يتهمهم بأن ذوقهم تدنّى، بدعوى أنهم أمسوا لا يطيقون صبراً على الأغاني التي يغرق المرء في سبات عميق ويصحو، وهي لا تزال في المنتصف، فالحفل الساهر ثلاث ساعات.
رحم الله مدير الإذاعة اللبنانية في الأربعينيات، فقد أمر بعدم إذاعة أيّ أغنية تتجاوز مدتها خمس دقائق. هنا المطبّ الآخر، فذلك الإعراض عن روائع الموسيقى العربية، لا يدلّ على هجرة إلى فن من طراز هو الآخر رفيع، كالموسيقى الكلاسيكية. في الواقع يخطئ من يقول إن الموسيقى العربيّة أصابتها عين، فالصواب أن أدعياء الفن فقأوا عينيها.
لزوم ما يلزم: النتيجة التساؤلية: أليس عجيباً أن الجهات المعنيّة لا ترى لهذه القضايا أهميّة؟ ما هي عظائم مشاغلهم؟
