تعد عقود بيع الوحدات العقارية على المخطط من أهم الأدوات التي أسهمت في نمو الأسواق العقارية واستقطاب الاستثمارات، لما توفره من قدرة على تمويل المشروعات خلال مراحل إنشائها، وإتاحة فرص التملك والاستثمار قبل اكتمال الوحدة العقارية. غير أن هذه الطبيعة الخاصة تفرض علاقة تعاقدية دقيقة، فالمشتري يلتزم بسداد دفعات مالية على مراحل، بينما يلتزم المطور بتنفيذ مشروع مستقبلي وفق متطلبات فنية وتنظيمية وزمنية محددة، بما يجعل استقرار المشروع مرتبطاً بالتزام الطرفين معاً.
ومن هنا جاءت التشريعات العقارية لتقيم توازناً دقيقاً بين حماية الاستثمار وضمان حقوق المشتري، دون ترجيح كفة أحدهما على حساب الآخر. فالمطور يحتاج إلى أدوات قانونية فعالة لمواجهة حالات التعثر التي قد تؤثر في التدفقات المالية للمشروع وتنعكس على بقية المشترين، في حين يحتاج المشتري إلى ضمانات تحول دون إنهاء عقده أو المساس بأمواله إلا وفق إطار قانوني واضح ومتناسب.
وقد أدرك المشرع أن إخضاع كل حالة إخلال بالسداد لمسار التقاضي التقليدي قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع وتجميد الوحدات لفترات طويلة، ولذلك أتاح للمطور، في الحالات التي يحددها القانون، اتخاذ إجراءات الفسخ وفق مسار تنظيمي محدد وتحت إشراف الجهة المختصة. إلا أن ذلك لا يعني منحه سلطة مطلقة، فالمطور ليس جهة إدارية أو قضائية، وإنما يمارس حقاً قانونياً مقيداً بشروط وإجراءات وضمانات رسمها المشرّع.
وتكمن أهمية هذه المنظومة في أن الفسخ لا يقوم على مجرد التأخر في السداد، وإنما يرتبط بتحقق الإخلال واستيفاء الإجراءات المقررة، بما في ذلك الإخطار ومنح المشتري الفرصة القانونية للوفاء أو التسوية. فالغاية ليست التعجيل بإنهاء العقد، وإنما منع تحول التأخر في السداد إلى نزاع مفتوح يعطل المشروع، وفي الوقت ذاته منع أن يتحول حق الفسخ إلى وسيلة تعسفية في مواجهة المشتري.
ويظهر التوازن التشريعي بصورة أوضح في ربط الآثار المالية للفسخ بنسبة إنجاز المشروع، فالمشروع الذي قطع مراحل متقدمة من البناء لا يمكن أن يعامل كالمشروع الذي لم يبدأ فيه التنفيذ، ولذلك لم يترك المشرّع تقدير ما يستحقه المطور أو ما يرد إلى المشتري لإرادة أحد الطرفين، وإنما ربط ذلك بالضوابط القانونية ونسبة الإنجاز الفعلية التي يمكن التحقق منها فنياً.
ويأتي حساب ضمان المشروع ليكمل هذه الحماية، باعتباره إحدى أهم أدوات ضبط التدفقات المالية في مشاريع البيع على المخطط. فمبالغ المشترين تخضع لإطار مصرفي وتنظيمي يربط استخدامها بمراحل إنجاز المشروع، بما يمنع أن يتحول فسخ العقد إلى وسيلة لاستبقاء أموال المشتري خارج الحدود التي يسمح بها القانون. وفي المقابل، لا تعني حماية المشتري إعفاءه من التزاماته، فاستقرار المشروع يتطلب أيضاً حماية حق المطور في تحصيل مستحقاته من المشتري المتعثر.
ولا تنفصل حقوق المطور في مواجهة إخلال المشتري بالتزاماته هو. فعقد البيع على المخطط يقوم على التزامات متبادلة، ومن ثم فإن الصلاحية المقررة للمطور في الفسخ لا يمكن أن تكون بديلاً عن التزامه بتنفيذ المشروع وفق العقد والقانون والمتطلبات التنظيمية. فكما لا يجوز للمشتري أن يتخذ من الحماية القانونية وسيلة للامتناع غير المبرر عن السداد، لا يجوز للمطور أن يتخذ من حق الفسخ وسيلة لتجاوز حقوق المشتري.
ولذلك تكمن قيمة التنظيم العقاري الحديث في أنه لم يتعامل مع الفسخ باعتباره انتصاراً لطرف على آخر، وإنما باعتباره أداة لحماية استقرار السوق نفسه، فتعثر المشتري قد يضر بالمشروع وبالمشترين الملتزمين، كما أن الفسخ غير المنضبط قد يهز ثقة المستثمرين ويضعف الاستقرار التعاقدي.
ولهذا فإن قوة المنظومة لا تقاس بمدى سهولة فسخ العقد، وإنما بمدى وضوح القواعد التي تحكمه، ودقة الإجراءات السابقة عليه، وعدالة الآثار المترتبة عليه. فحماية الاستثمار لا تعني إطلاق يد المطور، وحماية المشتري لا تعني تعطيل المشروع، وإنما يتحقق الاستقرار عندما يكون لكل طرف حق واضح، ولكل حق حدود، ولكل إخلال جزاء متناسب.
وفي المحصلة، فإن التنظيم التشريعي لفسخ العقود العقارية على المخطط وسلطة المطور الإدارية يعكس نموذجاً للفلسفة التشريعية الحديثة، التي نجحت في الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتدفق السيولة في المشاريع العقارية من جهة، وبين إسباغ الحماية القانونية المقررة للمتعاقدين من جهة أخرى. وهو ما يقتضي من المستثمرين والمتعاقدين ضرورة الإلمام التام بهذه الأطر الإجرائية، والالتزام بالشفافية والتوثيق القانوني في كافة مراحل التعاقد لتفادي الآثار المترتبة على الفسخ الإداري.
*مستشار قانوني- شركة تاج مستشارون قانونيون
