قد يثير القول إن «بيتكوين» لن تحل أبداً محل العملة الرسمية الحكومية، وإنها عديمة الفائدة كعملة، حفيظة الكثيرين وعلى رأسهم المستثمرون في العملات الرقمية لكنني ما زلت مصراً عليه.
الأهم من ذلك، أن انعدام جدواها لا علاقة له بانخفاض قيمتها الذي طرأ في الأونة الأخيرة. وكما سبق أن كررت في هذه الزاوية منذ سنوات، فإن الارتفاعات الكبيرة في سعر البيتكوين تُعدّ دليلاً قاطعاً على زيف هذه العملة، تماماً كما هو الحال مع الانخفاضات التي تتعرض لها.
نحن في علم الاقتصاد نعرف منذ القدم أن المال الحقيقي يتسم بالاستقرار في بيئة هادئة، وهدوءه نابع من ثباته كمقياس للقيمة.
نحن لا نتكلم عن كمية الحرارة في درجة مئوية، أو حجم السائل في كوب، أو الطول في بوصة. بكل بساطة يتفق الجميع على أنه لا داعي لذلك. فالدرجة والكوب والبوصة مقاييس ثابتة تُشير إلى الحرارة والحجم والطول، لا أكثر.
تخيل أن تبحث عن درجة أو كوب أو بوصة «أقوى» أو «أضعف». إن مجرد التفكير في ذلك يُعدّ استخفافاً بالعقل البشري، ولا شك في أن تغيير المقياس لا يُغيّر الواقع بأي شكل من الأشكال.
وما ينطبق على تلك المقاييس ينطبق على المال وهو ليس مختلفاً. إنه مجرد مقياس يُشير إلى القيمة. وهذا يعني أن التغيرات في قيمته لا تُغيّر شيئاً. كل ما يفعلونه هو تشويه المقياس المفترض، ما يقلل من جدواه كمقياس.
إن أوضح دليل على أن البيتكوين لن تصبح نقوداً أبداً يكمن في ما أثار حماسة مؤيديها في صعودها، وفي ما أثار حماسة منتقديها في هبوطها. من ذا الذي سيتبادل السلع والخدمات بشيء متقلب إلى هذا الحد؟
ومن مسلمات علم الاقتصاد أن يشتري الإنتاج إنتاجاً مثله. عندما نطرح سلعاً وخدمات وعمالة في السوق، فإننا نسعى للحصول على سلع وخدمات وعمالة ذات قيمة مساوية في المقابل. النقود ليست سوى مقياس القيمة المتفق عليه الذي يستخدمه المنتجون لتسهيل التبادل.
إن كون الإنتاج يشتري الإنتاج دائماً وفي كل مكان هو ما يجعل البيتكوين نقيضة النقود. وبما أن قياسها بالدولار مفهوم متداول باستمرار، فإن قدرتها على إدارة المعاملات تكاد تكون معدومة. ومع البيتكوين، سيكون هناك دائماً رابحون وخاسرون في التبادل، وهو ما يوحي، من اسمه، بوجود رابحين فقط.
النقود الجيدة هادئة كالعادة، بينما يجعل اضطراب البيتكوين منها صاخبة. غالباً ما تكون البيتكوين هي محور الحديث، لكن الجيد لا ينبغي أن يكون كذلك أبداً. ولكن هناك المزيد.
تكمن المشكلة الحقيقية للبيتكوين في فشلها منذ البداية، ويعود هذا الفشل إلى خرافات المدرسة النمساوية الجديدة والمدرسة النقدية الجديدة التي تزعم أن «التضخم» ناتج عن وفرة النقود، بينما يُعزى انعدام التضخم إلى «عرض» نقدي مُحكم. كلا، هذا غير صحيح. إذا ركزت على ما يُسمى «عرض النقود»، فأنت تغفل جوهر النقود، تماما كما أغفل مؤيدو البيتكوين ومنتقدوها على حد سواء جوهرها، مُبتهجين بتقلبات قيمة العملة.
*رئيس معهد باركفيو «مجلة فوربس»
