تجاوزت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني كل التوقعات التي تنبأت بانهيارها المبكر تحت ضغط الصراعات الحزبية والتجاذبات السياسية، لتثبت «المرأة الحديدية» كفاءة عالية في إدارة الدولة عبر مزيج محكم يجمع بين الصلابة المحافظة والبراغماتية السياسية، ما أتاح لها عبور الأزمات الداخلية والخارجية باقتدار تام.
وسجلت رئيسة الوزراء محطة فارقة في تاريخ البلاد الحديث بحصولها على أطول مدة ولاية مستمرة لحكومة أحادية منذ الحرب العالمية الثانية، متفوقة على الرقم القياسي لسلفها سيلفيو برلسكوني على صعيد الاستمرارية التنفيذية المتصلة، لتؤمن بذلك قاعدة صلبة تنطلق منها نحو الانتخابات التشريعية المقررة عام 2027.
خطاب الاستقرار
احتفت جماهير غفيرة تقاطرت نحو منطقة الميناء في مدينة باري في مقاطعة بوليا جنوب شرق إيطاليا بهذا الإنجاز وسط أجواء احتفالية صاخبة وتدابير مشددة.
وأكدت ميلوني في كلمتها الحماسية أن الاستقرار يمثل الركيزة الأساسية للإصلاح الحقيقي، مشيرة إلى أن استعادة روما سيادتها وقرارها المستقل أعادت لها هيبتها الدولية وجعلتها طرفاً فاعلاً يحسب له ألف حساب على مائدة القرار الأوروبي، معتبرة أن المعارك السياسية التي خسرتها البلاد سابقاً باتت تحسم اليوم لصالح روما بفضل الوعي الإداري والصلابة الاستراتيجية.
من أحياء روما إلى قمة السلطة
تنبع قوة هذه الشخصية السياسية من مسيرة حياتية شاقة وغير تقليدية، فقد أبصرت ميلوني النور في العاصمة عام 1977 ونشأت في أحياء حي غارباتيلا العمالية برعاية والدتها وحدها بعد رحيل الأب مبكراً.
وانخرطت في غمار العمل العام مبكراً وهي لم تتجاوز ربيعها الخامس عشر عبر صفوف الشبيبة اليمينية، لتصقل إرادتها تدريجياً حتى باتت أصغر وزيرة في تاريخ الجمهورية الإيطالية عند توليها حقيبة الشباب عام 2008 ضمن حكومة برلسكوني الرابعة.
وفي عام 2012 شاركت في تأسيس حزب «إخوة إيطاليا»، ونجحت في قيادته نحو التخلص من التوجهات المتطرفة ليصبح القوة المحافظة الأولى التي توجت صعودها التاريخي بتسلم مقاليد رئاسة الوزراء في أكتوبر 2022 كأول سيدة تتبوأ هذا المنصب الرفيع.
آليات تثبيت الحكم واستقرار الائتلاف
تستمد الحكومة الإيطالية استمراريتها وقوتها من عوامل هيكلية متعددة، حيث يشير محللون سياسيون إلى أن تثبيت أركان الحكم جاء نتيجة مباشرة لنجاح الائتلاف الحاكم في الحفاظ على تماسك صفوفه، وإقصاء الخصوم الداخليين، واستثمار حالة الضعف والتفكك التي تعاني منها أحزاب المعارضة العاجزة عن تقديم بديل حقيقي.
وقد أتاح هذا الفراغ في المعسكر المقابل مساحة أمان مريحة للحكومة للاستمرار، مقروناً بخطاب قومي يضع إيطاليا في صدارة المشهد ويؤكد أن مصلحة الشعب الإيطالي تأتي دائماً في المقدمة دون خضوع لأي إملاءات خارجية، بما في ذلك التعامل بندية مع واشنطن وتأكيد استقلال القرار الإيطالي.
نجاحات ومكتسبات
تمكنت ميلوني على الساحتين الأوروبية والدولية من طمأنة الحلفاء الغربيين عبر التزامها الصارم بالانضباط المالي، وتقليص الفارق بين العوائد الإيطالية والألمانية، وتقديم دعم راسخ لأوكرانيا، إلى جانب الحضور القوي في الأزمات الإقليمية مثل إدارة ملف الهجرة واتفاقية شنغن.
وعلى الجانب الاقتصادي، حققت الحكومة تراجعاً ملحوظاً في معدلات البطالة ليهبط من سبعة في المئة إلى نحو خمسة في المئة، ما عزز رصيد الإنجازات العملية للائتلاف الحاكم إلى جانب إقرار حزمة من التشريعات الأمنية التي عززت الانضباط الداخلي.
ومع الالتفاف الشعبي الواسع والإشادة المستمرة بقدرتها على استعادة المكانة العالمية لإيطاليا، تواصل زعيمة اليمين رهانها على المزج الذكي بين الهوية القومية والمرونة الأوروبية لضمان استدامة زعامتها السياسية للمرحلة المقبلة.