بينما تعيد الحكومات والمؤسسات الكبرى في دبي والعالم تصميم الوظائف والمهارات ونماذج القيادة لمواكبة التحول الوظيفي الذي فرضه الذكاء الاصطناعي المساعد، يبرز سؤال مهم داخل القطاع العقاري: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الوسيط العقاري؟
الإجابة قد لا تكون كما يتصوّر البعض. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تبني التكنولوجيا ذاتها، بل في القدرة على توظيفها لتعزيز قدرات الإنسان ورفع كفاءة المؤسسات وتحسين تجربة العملاء. وفي مدينة مثل دبي، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الموظفين على إنجاز أعمالهم بشكل أسرع، بل أصبح شريكاً قادراً على تنفيذ المهام، وتحليل البيانات، ودعم القرارات، والمساهمة في إدارة العمليات اليومية داخل المؤسسات، وهذا ما يبرر انتشار مفهوم تبني الذكاء الاصطناعي المساعد داخل مختلف الهيئات والدوائر، وتحفيزها على الانتقال من مرحلة «الدعم التقني» إلى مرحلة «التشغيل الذكي»، عبر أتمتة الإجراءات، ورفع كفاءة الأداء، وتقليل الهدر في الوقت والموارد، وتعزيز سرعة الاستجابة للخدمات.
وأكبر دليل على ذلك، هو الدعم الحكومي الذي تحظى به آلية هذا التحول، فلم تكتفِ الهيئات المعنية بالإمار ة بسن القوانين والتحفيز فقط، بل ذهبت إلى إطلاق مبادرات نوعية في هذا المجال، مثل خطة دبي السنوية لتسريع تبني استخدامات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تهدف إلى تبني الذكاء الاصطناعي في كافة القطاعات والمجالات ذات الأهمية لتصبح دبي الأكثر دعماً للاقتصاد والأفضل توظيفاً لهذه التقنية والأسرع في تبني التطبيقات المتقدمة. كما تهدف إلى إضافة 100 مليار درهم من التحول الرقمي لاقتصاد دبي ورفع إنتاجية الاقتصاد بنسبة 50% عبر الابتكار وتبني الحلول الرقمية ضمن مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية 2033، مبادرة برنامج «AI+» لتمكين 50000 موظف حكومي بمهارات الذكاء الاصطناعي عبر مسارات تدريبية متخصصة، ومبادرة مليون خبير لأوامر الذكاء الاصطناعي لتدريب وتمكين مليون خبير في هندسة أوامر الذكاء الاصطناعي.
القطاع العقاري مثل القطاعات الاقتصادية الأخرى، شهد هو الآخر تحولاً جذرياً تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما رجّح الكثير استيلاءه على الكثير من المهن وإلغاء المهام البشرية لها، ومن ذلك الوساطة العقارية، التي تبدو فعلاً أمام مرحلة جديدة، لن يكون فيها البقاء للأكثر خبرة في السوق فقط، وقد ذهب الكثير إلى أن الذكاء الاصطناعي له القدرة على إلغاء مهام الوسيط العقاري الطبيعي! وظهرت مخاوف متزايدة لدى البعض من أن هذه التقنيات قد تستبدل دوره، لكن الحقيقة وبناء على الواقع، الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الوسيط، لكنه سيُلغي الوسيط الذي يرفض التطور والاستجابة لهذا التحول.
الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الوسيط العقاري، لكنه قد يستبدل الوسيط التقليدي الذي يعتمد على الأساليب القديمة في التسويق، وإدارة العملاء، وتحليل السوق.
اليوم، أصبح بإمكان تقنيات الذكاء الاصطناعي كتابة الإعلانات العقارية، وإنتاج الصور والفيديوهات، وتحليل البيانات، ودراسة سلوك العملاء، والرد على الاستفسارات على مدار الساعة، بل وحتى اقتراح العقارات المناسبة بناءً على احتياجات كل عميل، وفي المقابل، لا تزال هناك مهام لا يمكن للتقنية أن تحل محلها بالكامل، مثل بناء الثقة، وفهم الدوافع الإنسانية، وإدارة التفاوض، وتقديم الاستشارات، وقراءة احتياجات المستثمرين واتخاذ القرارات المعقدة.
الذي سيواجه تحديات حقيقية في عمله هو الوسيط الناقل للمعلومات، الذي يعتمد فقط على نشر الإعلانات لعرض منتجه فقط، أمّا الوسيط الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي فلديه ميزة تنافسية كبيرة، لأنه سيتمكن من خدمة عدد أكبر من العملاء، وتحليل البيانات بشكل أسرع، وتقديم تجربة أكثر احترافية.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الوسيط العقاري؟ بل أصبح: أي نوع من الوسطاء سيكون قادراً على التكيف مع هذه المرحلة؟
باختصار، هو الوسيط الذي له قدرة على مواكبة التغيير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في أساليب التسويق، فبدلاً من الإعلانات العشوائية، أصبح بإمكان الوسيط استخدام أدوات تعتمد على: تحليل سلوك العملاء، توقع نوايا الشراء وتخصيص الرسائل التسويقية، هذه الأدوات تزيد من فاعلية الإعلان، وتقلل الهدر في الميزانيات، وتمنح الوسيط قدرة على الوصول إلى العميل المناسب في اللحظة المناسبة.
هو الوسيط الذي يتمكن من تقديم الخدمة الفورية، وفهم الانطباعات واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، فالذكاء الاصطناعي يقدم، اليوم، تحليلاً فورياً للأسعار، مقارنة بين المشاريع خلال ثوانٍ، وتوقعات دقيقة للعوائد الإيجارية، وقراءة اتجاهات السوق قبل حدوثها.
خلاصة القول، لطالما كان الوسيط العقاري يمثل جزءاً أساسياً من عملية البيع والشراء، وسيظل كذلك مهما تطورت التكنولوجيا، لكن دوره ومهامه هي التي تغيرت في ظل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فتحوّل من شخص مكلف بعرض العقارات على المتعاملين إلى مستشار استثماري، ومن فرد يحفظ المعلومة وينقلها إلى محلل بيانات، ومن منفّذ عمليات إلى مصمم تجربة العميل خلال رحلة شراء العقار، لذلك فالذكاء الاصطناعي لن يستبدل الوسيط العقاري، لكنه سيستبدل الوسيط الذي يرفض التطور.
*خبير اقتصادي
