قبل أن يصبح الطب علماً تتقاطع فيه المختبرات والتقنيات الحديثة، كان الإنسان ينظر إلى جسده باعتباره جزءاً من عالم أكبر، عالم تتجاور فيه المعرفة الطبية مع الأعشاب، والفلك مع التنجيم، والتجربة مع الموروث الشعبي، ومن بين صفحات هذا العالم البعيد، يصدر المركز القومي للترجمة كتاب «مخطوطة الطب»، ترجمة وتقديم شادية توفيق، وهو واحد من إصداراته التي تحفظ جانباً مهماً من تاريخ المعرفة الطبية.
تكشف المخطوطة عن جانب من عناية السريان بالطب، وهو المجال الذي زاولوه لأكثر من ألف عام، وبرز فيه أطباء مهرة من أمثال سرجيس الرأس عيني، وحنين بن إسحق، وآل بختيشوع وغيرهم، إلى جانب ما تركوه من مؤلفات وترجمات أسهمت في انتقال المعارف الطبية القديمة، ومنها ترجمات لأعمال أبقراط ومؤلفات جالينوس.
لا تقف «مخطوطة الطب» عند حدود تسجيل الأمراض وعلاجاتها، وإنما تقدم صورة واسعة عن الطريقة التي تشكلت بها المعرفة الطبية في زمن كانت فيه الحدود بين العلوم أقل صرامة مما نعرفه اليوم، فتقدم عرضاً لمختلف الأمراض التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، وسبل الوقاية منها، عبر محاضرات تتناول علم التشريح وعلم الأمراض والوصفات العلاجية، مستعينة بما عرفته العصور القديمة من أعشاب طبية وطرائق في العلاج.
يمتد الكتاب كذلك إلى مساحة أخرى من المعرفة القديمة، حيث يحضر الفلك والتنجيم، وتأثير النجوم والكواكب على المريض، إلى جانب تحديد الأيام التي ينظر إليها باعتبارها مناسبة للسفر والزواج وغيرهما من شؤون الحياة، وهنا تبدو المخطوطة كأنها تسجل رؤية متكاملة للعالم، لم يكن فيها الجسد منفصلًا عن السماء، ولا المرض منفصلاً عن تصورات الإنسان عن الكون من حوله. في فصلها الأخير، تفتح «مخطوطة الطب» باباً على ما يعرف بـالطب الشعبي، فتقدم نحو أربعمئة وصفة علاجية لمختلف الأمراض، في صورة تكشف جانباً من الخبرات والممارسات التي تناقلتها المجتمعات عبر أجيال طويلة، قبل أن تتخذ المعرفة الطبية صورتها العلمية الحديثة.