الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخليج.. قاطرة العرب نحو المستقبل

10 سبتمبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 10 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
شهد العالم العربي، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته، مرحلة ازدهرت فيها عواصم عربية أدت دوراً حضارياً تجاوز حدود دولها. فكانت القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد مراكز للإشعاع، الفكري والثقافي، بما احتضنته من جامعات، ودور نشر، وصحف، ومجلات، ومراكز للفكر والثقافة، وما أنتجته من أدب، ومسرح، وسينما، وفنون، وترجمة، وتأليف، ومنها خرج مفكرون وأدباء وفنانون وصحفيون، أسهموا في تشكيل وعي أجيال عربية متعاقبة.
لم تكن هذه العواصم مجرّد مدن كبيرة، وإنما كانت ساحات يلتقي فيها الفكر بالفكر، ويتحاور فيها المختلفون، وتولد فيها الكتب، والمجلات، والأعمال الفنية، والأفكار الجديدة، فتنتقل منها إلى بقية أنحاء الوطن العربي. لكن التحولات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي مرت بها المنطقة، والحروب والأزمات المتلاحقة، وضعف برامج التنمية الشاملة في عدد من الدول، ثم الاضطرابات الكبرى التي شهدتها المنطقة وكان آخرها ما عرف ب«الربيع العربي»، وما ترتب عليه في عدد من البلدان، أثرت جميعها في قدرة تلك المراكز على الاستمرار في أداء الدور نفسه.
ولا يعني ذلك أن هذه المجتمعات فقدت قدرتها على الإبداع، أو أنها لم تعُد تمتلك المفكرين، والمثقفين، والمبدعين، فهي لا تزال غنية بالعقول والكفاءات، وإنما تغيرت الظروف التي كانت تسمح لها بأداء ذلك الدور العربي الواسع.
وهنا يبرز السؤال: هل يعني ذلك أن يتوقف تطور المجتمعات العربية، وأن تتسع المسافة بينها وبين حركة الحضارة الإنسانية؟ أم أن التحولات نفسها التي أضعفت مراكز تاريخية أوجدت مراكز جديدة يمكنها أن تحمل جانباً من المسؤولية؟
عندما نتحدث عن الخليج، فإننا لا نتحدث عن فرضية لم تختبر، فقد قدّمت دولة الكويت منذ وقت مبكر تجربة حضارية ناجحة بكل المقاييس، وأصبحت امتداداً مهماً لمراكز الفكر والثقافة العربية الكبرى.
نجحت الكويت لأنها لم تنظر إلى الثروة باعتبارها وسيلة للرفاه المادي فقط، وإنما وظفت جزءاً مهماً من إمكاناتها في النهضة الفكرية، والثقافية، والفنية. وأنشأت المؤسسات، ودعمت الصحافة والنشر، والمسرح والفنون، وأصبحت بعض إصداراتها ومؤسساتها جزءاً من الحياة الثقافية العربية كلها.
ولهذا لم تنجح تجربة الكويت لأنها امتلكت المال فقط، وإنما لأنها التقت فيها الثروة بالإرادة، والإرادة بالانفتاح، والانفتاح بالكفاءات العربية.
وقد تراجع وهج هذه التجربة لاحقاً تحت تأثير تحولات كثيرة أصابت الكويت، والمنطقة، والعالم العربي، وتغيّرت معها طبيعة الإعلام والثقافة والمجتمع ومراكز التأثير. ولكن تراجع التجربة لا يلغي قيمتها، بل يجعل دراستها أكثر أهمية، لأنها تقدم لنا اليوم نموذجاً يمكن استحضار روحه، لا استنساخ تفاصيله.
ما كان متاحاً للكويت قبل عقود أصبح متاحاً اليوم لدول الخليج مجتمعة، وعلى نطاق أوسع بكثير. فالمنطقة تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والازدهار، وتمتلك بنية تحتية متقدمة، وجامعات ومراكز للمعرفة والبحث، ووسائل إعلام واتصال حديثة، وتكنولوجيا متطورة، ومدناً عالمية تستقطب الناس من مختلف الثقافات، وتستضيف المؤتمرات، والمنتديات، والمعارض، ونخب الفكر والعلم والاقتصاد، من أنحاء العالم.
إنسان الخليج الذي توفرت له هذه الإمكانات لا يملك عذراً في أن يبقى خارج موجة الوعي الإنساني العالمي، أو أن يظل أسيراً لأيديولوجيات وصراعات مذهبية وفكرية تجاوز العالم كثيراً منها، أو أن ينساق خلف عقلية القطيع، فيتبنى المواقف لأن الآخرين تبنوها، ويكرر الأفكار من دون أن يسأل، أو يناقش، أو يفكر.
إن نجاح التنمية لا ينبغي أن يقاس بما نبنيه حول الإنسان فقط، وإنما أيضاً بما نبنيه داخله. فالمجتمع المتقدم يحتاج إلى إنسان يوازي في وعيه وثقافته واستقلال تفكيره مستوى التقدم الذي يحيط به.
نحتاج إلى بيئة تستقطب المفكر، والباحث، والكاتب، والمترجم، والفنان، والمبدع العربي، كما استقطبت الكويت الكفاءات العربية في تجربتها الرائدة، ولكن بأدوات العصر وإمكاناته.
حين نقول إن الخليج يستطيع أن يكون قاطرة للعرب نحو المستقبل، فإننا لا نتحدث عن قيادة سياسية، ولا عن تفوق مجتمع عربي على آخر.
فكما قادت الكويت مرحلة من النهضة الثقافية الخليجية بالاستفادة من النهضة العربية، يستطيع الخليج اليوم أن يسهم في نهضة عربية جديدة، بالاستفادة من تراكم المعرفة الإنسانية كلها.
لقد نجحت دول الخليج إلى حد بعيد في تحديث المكان، وأصبح التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو الارتقاء بالإنسان ووعيه إلى مستوى ما تحقق حوله من تقدم.
وعندما يتحول الاستقرار إلى فكر، والثروة إلى معرفة، والانفتاح إلى وعي، والتكنولوجيا من أداة للاستهلاك إلى أداة للإبداع، لن يبقى أثر النهضة الخليجية محصوراً داخل حدود دولها.
عندها فقط يستطيع الخليج أن يؤدي مسؤوليته التاريخية، وأن يكون، مع كل العقول العربية المستنيرة، قاطرة للعرب نحو المستقبل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة