يدخل العالم مرحلة سياسية جديدة تتغير فيها موازين النفوذ والتحالفات، ومواقع التأثير الدولي، بوتيرة متسارعة.
وتتقدم الصين اقتصادياً وعسكرياً، وتعيد الولايات المتحدة ترتيب تحالفاتها العالمية، بينما تسعى أوروبا إلى الحفاظ على دورها السياسي والأمني وسط تصاعد الأزمات الدولية.
وفي الوقت نفسه، تفرض دول الجنوب العالمي حضورها المتزايد داخل الاقتصاد، والسياسة والطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية.
ضمن هذا السياق يقدّم الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب كتابه «مثلث القوة: إعادة موازنة النظام العالمي الجديد» كقراءة سياسية للعالم الذي يتشكّل خلال السنوات المقبلة. يتناول الكتاب التحولات الكبرى التي تدفع النظام الدولي نحو توازنات جديدة، ويربط هذه التحولات بثلاث قوى رئيسية: الغرب العالمي، والشرق العالمي، والجنوب العالمي.
يرى ستوب أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يقود المرحلة الحالية من التاريخ السياسي الدولي، ويمنح هذا الصراع أبعاداً، اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية وثقافية، واسعة. كما يركز على الدور المتنامي لدول الجنوب العالمي، معتبراً أن هذه الدول تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في شكل النظام الدولي المقبل، سواء عبر الاقتصاد، أو الطاقة، أو التحالفات السياسية الجديدة.
يناقش الكتاب أيضاً التحولات التي أصابت النظام الليبرالي العالمي منذ نهاية الحرب الباردة، ويتابع تراجع فاعلية المؤسسات الدولية، وصعود النزعات القومية، وتوسع التحالفات الإقليمية، إضافة إلى التنافس على التكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية. ويخصص ستوب مساحة كبيرة لموقع أوروبا داخل هذه التحولات، متوقفاً عند علاقتها بالولايات المتحدة، وبالصين، وبالحرب الروسية الأوكرانية، وبقضايا الأمن والطاقة والدفاع.
إعادة توزيع القوة
ويمنح ستوب اهتماماً خاصاً للتحولات الفكرية التي ترافق إعادة توزيع القوة العالمية، معتبراً أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها المسلمات السياسية التي حكمت العقود الماضية. فالدول الكبرى تعيد تعريف مفاهيم الأمن، والتحالف، والسيادة، والاعتماد الاقتصادي، بينما تتصاعد أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة كأدوات نفوذ جيوسياسي مباشر. ومن خلال هذه القراءة، يقدّم الكتاب تصوراً لعالم أكثر تعقيداً وتنافساً، تتحرك فيه القوى الدولية وفق مصالح مرنة، وتحالفات متبدلة، في مشهد دولي يختلف بوضوح عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
يعتمد ستوب على خبرته الطويلة داخل السياسة الأوروبية والدبلوماسية الدولية. فقد شغل مناصب رئيس وزراء فنلندا، ووزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير التجارة والشؤون الأوروبية، قبل وصوله إلى رئاسة الجمهورية عام 2024. تمنح هذه التجربة الكتاب طابعاً عملياً واضحاً، إذ يتناول الكاتب آليات صنع القرار والتحالفات الدولية من داخل المؤسسات السياسية الأوروبية.
يكتب ستوب بلغة سياسية مباشرة تجمع بين التحليل الجيوسياسي والخبرة الدبلوماسية، ويقارب التحولات الدولية باعتبارها مرحلة تاريخية شبيهة بالمنعطفات الكبرى التي شهدها العالم خلال أعوام 1918 و1945 و1989، حيث أعادت تلك الفترات رسم شكل النظام الدولي وموازين القوة العالمية.
ويطرح الكتاب، الصادر عن «كولومبيا غلوبال ريبورتس» في يناير/كانون الثاني 2026، باللغة الإنجليزية، ضمن 216 صفحة، أسئلة مركزية حول مستقبل التعاون الدولي، وحدود النفوذ الغربي، ودور التكنولوجيا في الصراعات المقبلة، إضافة إلى موقع الديمقراطيات الليبرالية داخل عالم يتجه نحو تعددية، سياسية واقتصادية وأمنية، أوسع.
* ألكسندر ستوب هو الرئيس الثالث عشر لجمهورية فنلندا منذ مارس/آذار 2024. شغل سابقاً مناصب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير المالية ووزير التجارة والشؤون الأوروبية.