التحية لمؤسسة سلطان العويس الثقافية؛ إذْ استعادت تجربة وحياة الفنان السوري عبداللطيف الصمودي (١٩٤٨-٢٠٠٥)، صاحب التجربة التشكيلية الزخرفية التجريدية الأكثر غنى وتنوّعاً في تاريخ الرسم العربي الحديث، والتي بدأها بعمق فكري وجمالي في الإمارات التي أقام فيها منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، ليسهم في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ويشارك أيضاً في بدايات بينالي الشارقة (١٩٩٣).
بدأت تجربة عبداللطيف الصمودي في مسقط رأسه (حماة) مدينة الأصالة المعمارية، وموسيقى المقامات، ومحلّات بيع السجّاد والأقمشة، وستكون هذه الفضاءات الجمالية مرجعياته البصرية في الرسم، وفي ما بعد أضاف لكل مخزونه الجمالي هذا ثقافته، بل، وشعريته البصرية، واللغوية، وهو شاعر، يردد دائماً كما قرأت في أوراق من كتبوا عنه عبارة مكثفة توجز روحيته الإبداعية.. كان يقول: (النور سيدي، واللون مملكتي).
يرى الكثير ممن كتبوا عن عبداللطيف الصمودي في حياته وفي رحيله أنه صاحب مختبر بصري يحمل مفردات الزخارف (د. أسعد عرابي)، وأنه صاحب «مقامات صوفية تحال إلى مساحات لونية»، و«يتمتع بالبعد الوجداني ذي النزعة الصوفية» (مهى سلطان)، وأنه كثيراً ما استخدم طريقة المشكاة في رؤية العوالم الداخلية.
قرأت الكثير من الانطباعات والآراء التخصصية في الفن التشكيلي حول تجربة الصمودي، لكنني هنا، سأعتمد على عيني كما يقولون، فقد زرته في مرسمه ذات يوم في عام ١٩٨٨ إن لم تخُنّي الذاكرة وكان في عجمان، وأمضيت نحو ست ساعات في المرسم بين لوحات كبيرة، دقيقة التشكيل، كان يصنعها بأشكال هندسية متداخلة وسط خصوبة في اللون، وفي الضوء أيضاً، وبما أنني لست متخصصاً في الرسم، فقد رحت أبحث عن الشعر واللغة في هذه اللوحات الجدارية الكبيرة لأرى أن الصمودي اجترح له لغة من الضوء، نجم عنها صور شعرية بامتياز، صور متداخلة ومركّبة، لكنها في النهاية، تشكّل نصاً بصرياً متكاملاً وفق إيقاعات موسيقية تشبه التفعيلات في الشعر، وذلك من منظور انطباعي شخصي قد لا يكون علمياً أو مهنياً، ولكنه يعود إلى العلاقة التداخلية بين الشعر والرسم.
في رأيي أيضاً، أن تجربة عبداللطيف الصمودي التشكيلية تكوّنت مهنياً ومعرفياً هنا في الإمارات، وفي الوقت نفسه بقيت مشدودة إلى رحمها الأولى في مدينة حماة، غير أن حقيقة فن الصمودي، في رأيي هي حقيقة إنسانية، كونية، جمالية بالدرجة الأولى.
لوحته عالمية، لأن لغته البصرية لا تعود إلى جغرافية أو ثقافة مغلقة، بل هي لوحة الشرق كما هي لوحة الغرب، لوحة مفهومة ومقروءة بلغة واحدة يفهمها كل العالم تماماً مثل لغة الموسيقى التي لا تقوم على أبجدية بقدر ما تقوم على معنى الروح ومشتركاتها الإنسانية التي توحّد البشر كإخوة وأصدقاء على الرغم من خصوصية كل حضارة، وكل ثقافة.
