توجيه صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم 10 ملايين دولار لدعم الاستجابة الإنسانية في جمهورية هايتي غيض من فيض سيل العطاء الإماراتي المتدفق، وتجسيد حي لرسالة الأخوة الإنسانية التي تتبناها دولة الإمارات، وأحد الوجوه المشرقة لحضورها الدولي في إغاثة المنكوبين ودورها في إشاعة قيم السلم والاستقرار في مختلف الأزمات.
من هايتي ونيبال، مروراً بقطاع غزة والسودان وسوريا ولبنان، إلى الأزمات الإنسانية المعقدة حول العالم، تظل البصمة الإماراتية حاضرة، محوّلةً الألم إلى أمل، والوعود إلى واقع ملموس على الأرض. وليست المرة الأولى التي تقدم فيها الإمارات نموذجاً استثنائياً في البذل والعطاء، ولن تكون الأخيرة، فالعمل الإنساني في فكر القيادة الرشيدة ليس مجرد رد فعل مؤقت أو مبادرة عابرة، بل هو ثقافة وطن واستراتيجية عمل مستدامة تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات العرقية، وهدفها الأسمى أن يُصان الإنسان وتُحفظ كرامته أينما كان، بعيداً عن حسابات السياسة والمصالح الضيقة. ولا شك أن هذا الرصيد الإنساني العابر للقارات والممتد عبر العقود لا يسمح للإمارات بأن تكون قوة أخلاقية وإنسانية مؤثرة فحسب، بل يمنحها مكانة دبلوماسية رفيعة تؤهلها لتكون وسيطاً دولياً موثوقاً وصانعة سلام في شتى الأزمات الدولية.
تأكيداً لهذا النهج الحكيم والجريء في التعامل مع أعقد الأزمات وأخطرها، لم يكن مفاجئاً اللقاء الذي جمع سموّ الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة «بريكس» في نيودلهي، فهو امتداد طبيعي لدبلوماسية الإمارات القائمة على بناء الجسور وتغليب لغة الحوار المباشر لخفض التصعيد، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، وتعزيز فرص السلام بين شعوب المنطقة والعالم.
ومنذ اندلاع الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، كانت الإمارات واضحة في مواقفها وتعاملها مع تداعياتها، فقد دافعت عن سيادتها باقتدار ضد الاعتداءات الإيرانية على أراضيها، وتضامنت بقوة مع الدول الشقيقة التي تعرّضت لذات الاعتداءات، وطالبت بوقفها حفاظاً على الأمن الإقليمي، ولكن في موازاة ذلك لم تتوقف مساعي الإمارات الحميدة، من خلال الاتصالات المستمرة التي يجريها سموّ الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، مع نظرائه في الدول الشقيقة والصديقة، أملاً في إنهاء هذه الحرب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، وهي مواقف تؤكد نضج الرؤية الاستراتيجية الإماراتية التي توازن باقتدار بين الحزم في حماية السيادة الوطنية والأمن الإقليمي، والمرونة الفائقة في فتح مسارات التفاوض وخفض التصعيد.
التلازم بين البعدين الإنساني والدبلوماسي ميزة جوهرية تنفرد بها الإمارات لتظل منارة للإغاثة والسلام ضمن رؤية تجعل من العطاء وسيلة للبناء، ومن الحوار طريقاً للاستقرار الشامل. ومثل هذا الترابط العضوي يضمن ألا تكون المواقف السياسية معزولة عن غاياتها الأخلاقية، وألا ينفصل العمل الإنساني عن جهود صناعة السلام المستدام وضمان أمن الشعوب واستقرارها على المدى الطويل.