إعلان قادة الأحزاب القومية في أسكتلندا وإيرلندا الشمالية وويلز الذين اجتمعوا بمدينة كارديف عاصمة ويلز، عن «حق شعوبهم في تقرير مصيرها والانفصال عن بريطانيا»، مؤكدين أن «مستقبل أممهم يكمن داخل الاتحاد الأوروبي»، يضع بريطانيا أمام أزمة دستورية غير مسبوقة تهدد وحدتها، وتضيف ضغوطاً اقتصادية وسياسية هائلة على حكومة أندي بيرنهام العمالية، الذي بادر إلى رفض الدعوة، مشدداً على التمسك بوحدة المملكة المتحدة، ومؤكداً أن إجراء أي استفتاء جديد يعد «محظوراً وخارج النقاش» في الوقت الحالي، وأوضح أن تركيز حكومته في الوقت الحالي ينصب بالكامل على قضايا النمو الاقتصادي، ومواجهة أعباء المعيشة، وتطوير الخدمات العامة، بدلاً من الدخول في نقاشات دستورية «تؤدي إلى الانقسام».
وكان قادة الأحزاب القومية الحاكمة في أسكتلندا (جون سوني)، وويلز (رون أب يورورث) وإيرلندا الشمالية (ميشيل أونيل وماري لو ماكدونالد) وقعوا مذكرة تفاهم في كارديف جاء فيها أن «زمن سلطة وستمنستر شارف على نهايته»، مطالبين لندن بتسهيل التغيير الدستوري، ومنح شعوبهم حق تقرير مستقبلهم.
تأتي هذه الحركة السياسية في وقت فازت فيه الأحزاب المؤيدة للاستقلال لأول مرة منذ عام 1999، بأغلبية في برلماني أسكتلندا وويلز، كما أصبح حزب «الشين فين» أكبر حزب في برلمان إيرلندا الشمالية منذ عام 2022. وعلى الرغم من اتفاق الأحزاب الثلاثة على مبدأ الانفصال، إلا أن أساليبهم وجداولهم الزمنية تختلف عن بعضها، فالحزب الوطني الأسكتلندي يطالب بإجراء استفتاء ثانٍ على الاستقلال بعد التصويت بفارق ضئيل عام 2014 على البقاء داخل بريطانيا، فيما يطالب «حزب الشين فين» بإجراء استفتاء لتوحيد إيرلندا الشمالية مع جمهورية إيرلندا، بموجب اتفاقية السلام الموقعة عام 1998 المعروفة ب«اتفاقية الجمعة العظيمة»، أما حزب «بلايد كيمرو» في ويلز فيتبنى استراتيجية طويلة الأمد ولا يطالب باستفتاء فوري.
ورغم الهزة السياسية التي أحدثتها مذكرة التفاهم بين الأحزاب السياسية الثلاثة، وما حملته من مضامين انفصالية، إلا أن مسألة الانفصال معقدة جداً، إذ لا يوجد دستور مكتوب يحدد آلية أي انفصال، إنما القوانين والقواعد الدستورية تتحدث عن إمكانية انفصال أي إقليم، والأمر يحتاج إلى موافقة رسمية من البرلمان (مجلس العموم) عبر تشريع خاص أو تفويض بإجراء استفتاء قانوني، بشرط توافر دعم شعبي واضح ومستمر يثبت رغبة الأغلبية بالانفصال كما هو الحال بالنسبة لأسكتلندا، أما إيرلندا الشمالية فوضعها يحدده اتفاق «الجمعة العظيمة»، لكن بالنسبة لويلز فلا توجد آلية دستورية ومباشرة لانفصالها.
من الواضح أن الضغوط السياسية تزايدت على الحكومة البريطانية بعد التصريحات العلنية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أبدى فيها تأييده لتوحيد إيرلندا، ما أعطى دافعاً للأحزاب القومية الثلاثة كي تطلق دعوتها الانفصالية، التي تتحدى السلطة المركزية وتضعفها، وتؤدي إلى تداعيات اقتصادية ومالية، وإضعاف ثقة المستثمرين في الاقتصاد البريطاني، وتراجع قيمة الأصول، ما يهدد النمو، إضافة إلى تراجع النفوذ الجيوسياسي، وخسارة الموارد الحيوية في حال انفصال أسكتلندا، وتعميق شرخ بريكست، عندما ترى الأقاليم الثلاثة أن مستقبلها يكمن داخل الاتحاد الأوروبي.
تقف حكومة حزب العمال أمام نفق سياسي جديد عليها تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة كي تتمكن من مواجهة التحديات الداخلية الأخرى.