«الورقي أم الرقمي؟»، سؤال لطالما رددناه بل شكّل بالنسبة لمن ولد ونشأ وتعلّم وقرأ الكتب والصحف والمجلات الورقية، هاجساً حقيقياً وعاش في صراع بين تعلّقه بتلك الأدوات وبرائحة الحبر والورق وملمسه من جهة، وتقبّله لفكرة الانتقال إلى عالم التكنولوجيا من جهة أخرى.. إلى أن تحقق الانخراط السريع مع تطور الزمن وتجاوزنا ثنائية الورقي أم الرقمي، ولم يعد القارئ ينتظر الصحيفة في صندوق البريد والمكتبات وباعة الصحف على الأرصفة، بل يستمتع بقراءتها كل يوم وفي أي وقت بهاتفه؛ تغيرت الوسيلة، لكن بقي جوهر الصحافة ثابتاً: الحقيقة، والصدقية، والقدرة على صناعة الوعي.
من هنا جاءت أهمية جلسة «مستقبل الصحافة العربية كما يراه رؤساء التحرير» في منتدى الإعلام العربي، التي جمعت أصحاب تجارب حقيقية في مؤسسات صحفية عربية، وكان لافتاً التشديد على نقطة أساسية ومهمة وهي أن التحول الرقمي لم يعد رفاهية يمكن تأجيلها، وإنما أصبح شرطاً لبقاء الصحافة وقدرتها على الاستمرار، وهو أمر واقعي؛ فالمؤسسة التي تدخل المستقبل بعقلية الماضي لن تستطيع الاحتفاظ بقارئها طويلاً، ولن يكون بمقدورها مواجهة انتقال الإعلانات والجمهور إلى المنصات الرقمية.
إذن، جوهر الأمر لا يتعلق بإلغاء الورق واستبدال الشاشة والرقمي به، وإنما بإعادة بناء المؤسسة الصحفية نفسها لتتماشى مع تطورات العصر ومتطلبات المستقبل الذي يفرض أدوات وعناصر لا تكتفي بالمهنية بل تملك إرادة التطور والمرونة والقدرة على تقديم محتوى يصل إلى القارئ عبر أكثر من منصة، ونموذج اقتصادي قادر على تمويل الصحافة في زمن تتغير فيه قواعد السوق باستمرار.
لاشك في أن للذكاء الاصطناعي دوراً في عالم الصحافة أيضاً، إذ تغيرت وستتغير بفضله طرائق البحث والتحقق والإنتاج والتوزيع، وربما تتغير وظائف داخل المؤسسات الإعلامية، لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تمنح الخبر ضميراً، ولا أن تتحمل مسؤولية الكلمة، ولا أن تستبدل الصحفي في فهم السياق والتمييز بين الحقيقة والتضليل؛ وسيبقى للصحفي دوره الإنساني في كيفية فهم الحدث وقراءته والتفاعل معه، ونقله إلى الجمهور بموضوعية، وملامسة المشاعر والضمير، خصوصاً إذا كان يتعلق بأزمة أو موقف إنساني.
لا التكنولوجيا وحدها تصنع مستقبل الصحافة ولا العودة إلى التمييز بين الورقي والرقمي يفيد، المهم أن تتمكن كل المؤسسات الإعلامية من استخدام التكنولوجيا لتطوير أدواتها، وتسريع النشر، من دون التخلي عن المبادئ والقيم في المهنة ولا التخلّي عن الدقة، ومخاطبة الجمهور بلغته الجديدة من أجل استقطاب كل الأجيال، تتطور من دون أن تفقد جوهرها وهُويتها، تواكب التطور، من دون أن تقع أسيرة التكنولوجيا، تمشي مع قارئها لكي تحافظ على مكانتها ورسالتها.
