الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«الكافر» نجيب محفوظ

19 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 19 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
احتفت الأوساط الثقافية في مصر بذكرى وفاة نجيب محفوظ صاحب نوبل في عام ١٩٨٨، وصاحب قلادة النيل التي كرّمه بها الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك في نفس عام نوبل، وتبيّن بحسب ابنته أم كلثوم أن القلادة مغشوشة، فقط طليت بالفضة، فيما القلادة الحقيقية تزن نحو ٤٨٨ غراماً من الذهب الخالص، ولأن صاحب أولاد حارتنا أكبر من القلادة، فلم يتحدث عن تزييفها بالفضة، ولم يجعل من الأمر قضية، بل، صمت، وتقبل الجائزة التي تحمل اسم النيل بنبل يليق بهبة مصر.
بالطبع، تعود إلى الذاكرة بهذه المناسبة قصة الشاب المصري التكفيري الذي نفّذ أمراً من جماعته باغتيال نجيب محفوظ، ولكنه لم يفلح بهذه المهمة التي صدرت عن فتوى دينية متطرّفة، بل، طعن الروائي في رقبته لينجو من الموت أمام منزله في حيّ العجوزة في عام ١٩٩٤.
شحنت الثقافة العنفية المتطرّفة ذلك الشاب بفكرة عمياء موجّهة إلى محفوظ وهو أنه (كافر)، والكفر ضد الإيمان بحسب لغة المعاجم، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضد الشكر بحسب معجم الصحاح.
لم يعرف الشاب المشحون باللغة التكفيرية الوجه الآخر اللغوي في معجمنا العربي الفصيح لكلمة (كافر) أو (الكافر)، فلها دلالات معنوية عديدة سوى معنى الكفر الذي عشش في عقل صاحبنا المسيّس، والذي كان كل همّه هو قتل الروائي الكبير استناداً إلى معنى لغوي واحد ضيق.
تقول المعاجم، وهنا أعتمد بشكل خاص على الصحاح أن الكافر: تعني الليل المظلم، والكافر هو من كَفَرَ درعه بثوب أيّ غطّاه ولبسه فوقه، وكل شيء غطّى شيئاً فقد كَفَره.
الكافر أيضاً هو البحر، والكافر: هو الزّارع، وذلك لأنه يغطي البذر بالتراب، والكفّار: هم: الزرّاع، والتكفير هو أن يخضع الإنسان لغيره.
لقد جاء ذلك الشاب الذي حمل معنى لغوياً واحداً في دماغه إلى القاهرة من (الكَفْر) وهي كلمة شعبية مصرية، وهي فصحى مئة في المئة، ومعنى (الكَفْر): القرية، والكَفْر: هو القبر، والكَفْر أيضاً تعني ظلمة الليل وسواده، ويقال: الجوع كافر، غير أن التحقيقات القضائية التي جرت مع الشاب القروي لم تقل إنه من وسط اجتماعي فقير بما يعني أنه جائع، لكن ما وصل إلى الصحافة أن المحقق سأله: هل قرأت شيئاً من روايات نجيب محفوظ؟ فقال: إنه لم يقرأ أي كتاب له.
أحياناً، وربما كثيراً تقوم اللغة، وبخاصة لغتنا العربية بتدجين العنصر النفسي الشرير في داخل الإنسان، لكن هذا الأمر يحتاج بطبيعة الحال إلى القراءة، وكان على ذلك الشاب أن يقرأ لكي يعرف أن الكافر تعني البحر: لكي يذهب ويستحم ويسبح ويتطهر بدلاً من حمل سكين أو مسدس أو حزام ناسف.
كان نجيب محفوظ ممتلئاً بمصر.. الماء والطيبة، والإيمان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة