يحتفي معرض أبوظبي الدولي للكتاب بِعَلَم ورمز من رموز الثقافة الإماراتية الحديثة، القاصّ، والصحفي، وكاتب أدب الرحلة، والمتذوّق الرفيع للفنون والخط والموسيقى محمد المرّ، وجاء الاحتفاء بِ «أبو أحمد» في جناح خاص رتّبته إدارة المعرض بتنظيم مهني محترم يليق برجل أعطى الثقافة الإماراتية قلمه، ووقته، وقراءاته، وأكثر من ذلك، ترجم محمد المرّ حلمه الثقافي الوطني الإماراتي إلى واقع يومي على الأرض، وجعل من مكتبة محمد بن راشد مؤسسة نشطة في إنتاج الثقافة وتعميمها اليومي بين كل فئات المجتمع الإماراتي القارئ والمتعلم والمثقف.
الاحتفاء بمحمد المرّ يأتي في إطار تقليد منتظم وضعه المعرض تحت عنوان «أعلام الإمارات»، وهم فعلاً أعلام لأنهم ذاكرة، ولأنهم تاريخ، ولأنهم رجال معرفة وعلم وتعليم منذ روّاد الثقافة الاماراتية قبل عقود من الزمن، وإلى اليوم، وقد شارك في هذه الريادة الثقافية والتاريخية رجال المال والأعمال والاقتصاد في الإمارات، وكان ذلك الصف التأسيسي الريادي يسهم في دعم المدارس وتحويل التعليم إلى منظومة يستفيد منها الجيل الأول من المتعلمين في الدولة.
محمد المرّ شاهد عيان، وشاهد ثقافي، وشاهد تاريخي على تلك المرحلة التكوينية في ثقافة الإمارات. يرى وَيُخزّن، ويوثّق، ثم، يكتب.
جعل من فن القصة القصيرة تاريخاً توثيقياً أدبياً وجمالياً لمدينة دبي العريقة، ببحّارتها، وعمّالها، وأجدادها الأوائل، وكتب وثيقته الأدبية تلك بهدوء وبلا مبالغة.
هادئ، وحدسي، واستنتاجي بناء على قراءاته، وسفره في الأمكنة وفي الثقافات، وهو لم يكن كاتباً سياحياً، خفيفاً، استعراضياً على الإطلاق، وإنما يمتلك قوّة الشخصية الأدبية النافذة، النقدية، القارئة.
أُتيح لي أمس حضور جلسة صباحية احتفائية برجل الكتابة محمد المرّ، وقد عرف من حضر تلك الجلسة ومن «أبو أحمد» نفسه كيف طوّر وأضاف وجدّد في الصحافة الإماراتية وتحديداً في الزميلة «البيان» قبل عقود من الزمن.
تراث محمد المرّ القصصي، والصحفي، والثقافي معروف جيداً في الإمارات، ولكنه في الوقت نفسه معروف أيضاً في المحيط الخليجي والعربي ولكي تكون مقالتي الصحفية الثقافية هذه مقالة عملية، فإنني أشير إلى ضرورة ومهمّة ترجمة محمد المرّ إلى الإنجليزية ولغات عالمية حية أخرى، وبشكل نطاقي واسع وحرفي من جانب احدى مؤسسات الثقافة الاماراتية.
ترجمة محمد المرّ من العربية إلى لغات العالم مبادرة نبيلة، تليق به ويستحقها، ولكن من سوف يلتقط هذا الاقتراح، ويحوّله من فكرة إلى مشروع؟
محمد المرّ كتب عن دبي، ودبي اليوم مدينة العالم ومكان لغاته، وثقافاته، وحضاراته الإنسانية المتلاقية.
