الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تراجيديا لغويّة غير متوقعة

20 سبتمبر 2026 00:28 صباحًا | آخر تحديث: 20 سبتمبر 00:28 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أليس علينا أن نجزل الثناء لصنّاع المحتوى، على أنهم فتحوا أعيننا، على مأساة هي الأحدث في الفنون التراجيدية، التي تلعب أدوارها على مسرح لغتنا العربية؟ كان القلم في غفلته سادراً، واهماً أن المناهج ستتدفق بالمباهج، فيصدح النشء الجديد فصاحةً، ويصدع حصافةً، فتغدو سود الصحائف، أمضى من بيض الصفائح. كان المسكين مثل من يمشي نائماً، فيصطدم بعمود.
بزوغ ظاهرة صنّاع المحتوى، يشرح الصدور بعد طول كدر، جرّاء ضياع الكثير من طاقات الشبيبة العربية في متاهات البطالة. إذا صدقت أرقام الذكاء الاصطناعي، فإن في مصر وحدها، اثنين وأربعين مليون صانع محتوىً، ينتجون الفيديوهات القصيرة. كالعادة، لا توجد إحصائية ولو تقريبية لمجموع البلاد العربية. لا داعي إلى تعميم الجودة والقيمة العاليتين في ذلك الرقم النجومي، لكن الأمر مهمّ يبشر بخير: «الخير عند تزاحم الأقدامِ»، فالتنافس غالباً ما يؤدي إلى رفع منسوب الابتكار للتطوير والتحسين. لقد تبدّلت أحوال الشبيبة من حال إلى حال أفضل فأفضل.
إلّا لغتنا، فهذا مصاب جلل. عندما يكون عدد صنّاع المحتوى في مصر وحدها 42 مليوناً، فإن مجموعهم في العالم العربي قد يقارب المئتي مليون. يقيناً، إذا هم اختاروا العاميّة بذريعة مخاطبة الناس بما لا يفهمون غيره، فإنهم لن يستخدموا الفصحى في بيوتهم وأعمالهم وغيرها. وعندما يهجر نصف النفوس العربية الفصحى، فلا شك في أنها «سترانا كما نراها قفاراً». فإذا هذى عربي بكلام فصيح، ظنّه السامعون يسخر، فلوّوا رؤوسهم وغنّوا: «لسّه فاكر؟».
أمّا المناهج العربية، فسوف تفرك عينيها وتتنفّس «السّعداء» قائلةً: «ربّ ضارّة نافعة»، كنّا حائرين في معضلة محو الأميّة، فمُنينا بمصيبة الإخفاق في تدريس العربية، فجاءت فرّاجة الكُرَب، من حيث لا نحتسب: تسونامي مئتي مليون من العرب، ينتجون لقطات فيديو تسويقية، ترويجية، وبعضها جيّد وجادّ، ولكنها كلها تقصي الفصحى وتلغيها من الإعلام الأحدث، الذي يُثري الجيوب، ويُفقر «لسان الهوية»، ويجرّدها من أهمّ صفة وهي أن تكون بيان أمّة. لكن، لا توحش النفس بذئاب الجغرافيا السياسيّة، ولعابها الذي يسيل لتداعي أحجار الدومينو.
لزوم ما يلزم: النتيجة العمليّة: على المؤسّسات ذات العلاقة، تحويل هذا التيّار الإعلامي الجديد، إلى مولّدات طاقة إيجابيّة فعّالة، بفضل شقّ مهاد له، لينشر النموّ والنماء، ولا يكون فيضاناً وسيولاً على غير هدى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة