أعادت دراسة عالمية حديثة نشرتها مجلة «The Lancet Public Health» في يوليو(تموز) الماضي، وشملت بيانات من أكثر من مئتي دولة ومنطقة، طرح سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله تحوّلاً مهماً في نظرتنا إلى الصحة وجودة الحياة: ليس السؤال كم سنة يعيش الإنسان، وإنما كيف يعيش سنوات عمره، وكم منها يقضيها بصحة جيدة، وقدرة على الحركة والعمل، والاستقلال، والاستمتاع بالحياة؟
وتشير الدراسة إلى أن الفجوة العالمية بين متوسط العمر المتوقع ومتوسط سنوات الحياة الصحية اتسعت من نحو 8.8 سنة عام 1990 إلى 10.7 سنة عام 2023. والمغزى هنا ليس في الرقم وحده، وإنما في ما يكشفه من تحدٍ جديد أمام الأنظمة الصحية والمجتمعات الحديثة: لقد تطورت قدرات الطب على علاج الكثير من الأمراض وتقليل الوفيات، لكن التحدي المقبل يتمثل في تحسين نوعية السنوات التي يعيشها الإنسان، وتأخير التدهور الصحي والوظيفي، قدر الإمكان.
ومن هنا يبرز مفهوم العمر الصحي إلى جانب العمر الزمني، والعمر البيولوجي. فالعمر الزمني يحسب السنوات منذ الميلاد، بينما يعكس العمر البيولوجي بصورة عامة حالة الجسم ووظائفه، أما العمر الصحي فيتعلق بالسنوات التي يستطيع الإنسان أن يعيشها بصحة، واستقلالية، وقدرة جسدية وذهنية جيدة. وقد نجد شخصين في العمر الزمني نفسه، لكن الفارق بين حالتيهما الصحية والوظيفية كبير.
هذه التحولات تعيدنا إلى مفهوم أصبح يحتل مكانة متقدمة في الاستراتيجيات الصحية للدول والمجتمعات الحديثة، وهو الوقاية.
فانتظار حدوث المرض، خصوصاً الأمراض المزمنة، ثم التدخل لعلاجه ومواجهة مضاعفاته يمثل نموذجاً صحياً باهظ الكلفة، مادياً واجتماعياً وإنسانياً واقتصادياً. فالمرض المزمن لا يستهلك موازنات المستشفيات والأدوية فقط، وإنما قد يخفض إنتاجية الإنسان، ويزيد غيابه عن العمل، ويضع أعباء إضافية على أسرته ومجتمعه، وقد يحرمه سنوات طويلة من الاستقلالية، وجودة الحياة.
أما التدخل الوقائي والكشف المبكر عن عوامل الخطورة قبل تحولها إلى أمراض أو مضاعفات، فيمكن أن يخففا جانباً كبيراً من هذه الأعباء. ولهذا لم تعُد الوقاية مجرّد نصائح صحية، وإنما أصبحت استثماراً طويل الأمد في الإنسان، وفي اقتصاد المجتمع واستقراره.
وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في تعريف الصحة نفسها. فالصحة ليست مجرّد أن يكون الإنسان على قيد الحياة، أو خالياً من مرض خطر، وإنما أن يحتفظ بقدرته على الحركة، والتفكير، والعمل، والنوم، والتواصل، والاستقلال، والاستمتاع بحياته.
وتدخل الصحة النفسية في صميم هذا المفهوم. فالإنسان المعاصر يعيش تحت ضغوط متزايدة من العمل والالتزامات، والتدفق الهائل للمعلومات والأخبار ووسائل التواصل، ويمكن للقلق والتوتر المزمن واضطرابات النوم أن تنعكس على الصحة الجسدية، والسلوك ونوعية الحياة.
والدولة، مهما بلغت إمكاناتها، والمؤسسات الصحية، مهما تطورت، لا تستطيعان وحدهما صناعة مجتمع يتمتع بصحة أفضل، بل إن الفرد شريك في الوقاية.
والوعي الصحي لا يعني أن يتحول الإنسان إلى طبيب لنفسه، أو أن يعيش قلقاً من الأمراض، وإنما أن يتحمل نصيبه من المسؤولية عن صحته: أن يجري الفحوص الدورية المناسبة، ويتابع المؤشرات الصحية، وعوامل الخطورة، ويهتم بالغذاء، والحركة، والنوم، والصحة النفسية، ويتدخل مبكراً عندما تظهر مؤشرات تستدعي ذلك، بدل انتظار المرض ومضاعفاته.
من هنا تتكامل المسؤوليات: دولة تضع السياسات والاستراتيجيات وتوفر البيئة الداعمة للصحة، ومؤسسات صحية تحولها إلى برامج وقائية وعلاجية، ومجتمع ينشر ثقافة الصحة، وفرد يمتلك الوعي الذي يجعله شريكاً في المحافظة على صحته.
وهذا الموضوع يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلينا في دولة الإمارات، ودول الخليج عموماً.
فالإمارات وضعت منذ انطلاق نهضتها الإنسان والبيئة التي يعيش فيها في قلب مشروعها التنموي، ولم تنظر إلى التنمية باعتبارها طرقاً ومباني واقتصاداً فقط، وإنما ربطتها بالتعليم، والصحة، والأمان، والبيئة، وجودة الخدمات، ونوعية الحياة.
وتعَزز هذا التوجه خلال السنوات الأخيرة من خلال استراتيجيات جودة الحياة، والاهتمام بالصحة النفسية، والاستدامة والبيئة النظيفة، والمدن والمرافق الحديثة، إلى جانب تطور البنية الصحية والمستشفيات والتقنيات الطبية، والتوجه المتزايد نحو الطب الدقيق، والجينوم، والكشف المبكر، وهذه قاعدة متقدمة يمكن البناء عليها.
إن جودة الحياة وسعادة الإنسان ورفاهيته لم تعد في المجتمعات الحديثة نتائج جانبية للتنمية، وإنما أصبحت من غاياتها الأساسية ومقاييس نجاحها. والإمارات، بما بنته من بنية صحية متقدمة، وما وضعته من استراتيجيات لجودة الحياة، وما وفرته من بيئة حديثة ونظيفة وآمنة، تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون في مقدمة الدول التي تنتقل من جودة علاج المرض، إلى جودة الوقاية منه أيضاً.
فالمستقبل الصحي لا تصنعه المستشفيات وحدها، بل يصنعه إنسان واعٍ، ومجتمع يتبنّى ثقافة الوقاية، ومؤسسات صحية تستبق المرض، ودولة تجعل صحة الإنسان وجودة حياته في قلب مشروعها التنموي.
وبذلك تضيف الإمارات مجالاً جديداً إلى المجالات التي اختارت فيها ألا تنتظر المستقبل، بل أن تتقدم نحوه.
