ما رأيك في أن نجتنب ذكر إنتاج العلوم، حتى لا يظن القارئ أن الحديث ثرثرة على ضفاف الجدّ؟ المعضلة عدم أخذ قوى العلوم بجدّيّة، عربيّاً. إنتاج العلوم، في الظروف الراهنة، ضرب من المثالية واليوتوبيا.
طالما أنّبتُ القلم على استخدامه، عبارات لم يتفوه بها إنسيّ ولا إنسان آليّ قط، مثل: انعدام الوزن الوجودي. عيب في حق أمّة تُراوحُ نفوسها، حسب المزاج الأيديولوجي، بين أربعمئة مليون، وملياري نسمة. فليست مجرّد نسمة. لقد سادت العالم سبعة قرون، سوى أن الحضارات، تؤمن بالديمقراطية، والتداول السلس، أو نسبي السلاسة، لقمرة القيادة العالمية: «لو دامت لغيرك، ما وصلت إليك». «وتلك الأيّام نداولها بين الناس». الوزن الوجودي لا يحسب بالكيلوغرامات، وإلّا فأربعمئة مليون، لا يزيد وزنهم على ثمانية عشر مليون طن، بمعدّل خمسة وأربعين كغ للفرد، ما يعادل ناطحة سحاب من خمسين طابقاً، ارتفاعها مئة وخمسون متراً.
لكن السحاب يصبح تحت قدميك، إذا حلّق مؤشر الأوزان في فضاءات الاقتصاد، تطوير التعليم، البحث العلمي، الريادة العلمية والتكنولوجية، تقدم الطب، الصناعات العسكرية والحربية، المعرفة النووية، الزراعة الحديثة، حصص الأسُود في صناعات الأدوية والأغذية، اكتشافات الفيزياء الفلكية، فيزياء الكم، الذكاء الاصطناعي، صناعة السينما.. عندها تدرك أن قوة الأمم، في ما لا يوزن ولا يكال، لها ثقل يوهي قمم الجبال.
ألا ترى كيف تنظر الهيمنة العالمية بفوقية متعجرفة، إلى الشعوب؟ وكيف تزدري حضاراتها العريقة، بينما، مثالاً لا حصراً، حضارتا مصر ووادي الرافدين، كلتاهما أعرق بثمانٍ وعشرين مرّة من الإمبراطورية. سبعة آلاف عام إلى 250. الأطرف أن هرم خوفو، الذي شيد قبل أربعة وخمسين قرناً، يساوي ثماني عشرة مرةً القرنين ونصف القرن. أمّا ارتفاعه، وهو مئة وأربعون متراً، فسنون الإمبراطوريّة إلى جانبه مبنى من ثلاثة طوابق. ومع هذا تتصرف القوة العظمى كناظر مدرسة لا يعرف غير العقوبات.
وصلت الرسالة. الميادين المذكورة تكتسب وزنها، من العلوم. في الفيزياء صورة بليغة: الجسيمات ما دون الذرّة، لا كتلة لها في حدّ ذاتها، وتكتسب كتلتها من خلال التفاعل مع حقل هيغز. ذلك هو ما حققته الصين، في العقود السبعة الماضية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: الأمّة تكتسب وزنها من ذاتها، لا من العلاقات الدولية. يقول جلال الدين: «ليس خارجك كل ما في العالم.. في ذاتك ابحث عمّا تروم، فهو أنت».
