د. عبدالله أحمد آل علي*
ليست المشكلة في أن إيران قوة إقليمية مؤثرة، فمواردها، وإرثها الحضاري، وموقعها الجغرافي تؤهلها لأن تكون طرفاً رئيسياً في أمن الخليج والشرق الأوسط. المشكلة تكمن في صيغة النفوذ التي اختارها النظام: صيغة أمنية مؤدلجة، تتوسع عبر الردع غير المتكافئ، والشبكات المسلحة، وإدارة الأزمات، أكثر مما تتوسع عبر الاقتصاد والتكامل وبناء الثقة. وهي صيغة قد تهيئ، في الوقت نفسه، بيئة لمن يسعى إلى تأزيم الإقليم، وتكريس معادلات غير منصفة للجميع، بما في ذلك إيران نفسها.
وهنا يكتسب العنوان معناه الدقيق، ف«هيمنة النظام» لا تعني أن إيران تسيطر على الإقليم، بل تشير إلى محاولة مستمرة لصياغة محيط أمني قابل للتأثير أو التعطيل. أما «استنزاف الحضارة» فلا يوجّه اتهاماً إلى الحضارة الفارسية، التي تمثل رصيداً إنسانياً كبيراً، وكان تأثيرها واضحاً وجلياً، في منطقتنا والعالم، بل يشير إلى نهج سياسي يستهلك قدرتها على التحول إلى قوة جاذبة، معرفياً واقتصادياً وثقافياً.
وهناك فارق جوهري بين النفوذ والقيادة، فالنفوذ هو القدرة على التأثير في حسابات الآخرين، أما القيادة الإقليمية فهي قدرة أوسع على إنتاج قواعد يمكن توقعها، وتأمين ممرات التجارة، وبناء مصالح مشتركة تجعل التعاون خياراً عقلانياً لدول الجوار. ولهذا، قد تمتلك دولة نفوذاً قوياً من دون أن تحوز قبولاً قيادياً.
بنى النظام الإيراني جزءاً مهماً من قوته على منظومة متداخلة تضم العقيدة الثورية، ومركزية الحرس الثوري، والبرامج الصاروخية والمسيّرات، وشبكات الفواعل المسلحة، إلى جانب توظيف المجالات البحرية في الإقليم ضمن معادلات الضغط والردع. وهي أدوات ترفع كلفة الخصم وتربك حساباته، لكنها لا تكفي لصناعة نظام إقليمي مستقر، فالردع القائم على الغموض والتعطيل، يختلف جوهرياً عن القيادة القائمة على الضمانات والثقة.
وكلما غلب الأول، نشأت معضلة أمنية متبادلة: ترى إيران في ترتيبات جيرانها وشراكاتهم الدولية تهديداً لها، فيما ترى دول الخليج في الصواريخ، والفواعل المسلحة العابرة للحدود، وتهديد الملاحة، مصادر خطر مباشر. وهكذا تتحول الأزمة من حالة طارئة إلى بنية شبه مستدامة في العلاقة، وتبرز كلفتها داخلياً حين لا يتحول النفوذ الخارجي إلى قيمة وطنية، أو إقليمية قائمة على المشاركة والتوافق.
ولا يصح اختزال المشكلات الاقتصادية الإيرانية في عامل واحد، فالعقوبات، وضعف الحوكمة، واختلالات المالية العامة، وعزلة النظام المالي، كلها عوامل مؤثرة. لكن السؤال الاستراتيجي المشروع هو: هل خفّض نموذج النفوذ الخارجي المخاطر عن المجتمع الإيراني، أم أضاف إليها أعباء جديدة؟
وتُظهر بيانات عامي 2024 و2025 استمرار الضغوط على العملة والأسعار ومستوى المعيشة، وبقاء الاقتصاد الإيراني شديد الحساسية للعقوبات، وصادرات النفط، والتوترات الإقليمية. وهذه ليست مؤشرات منفصلة عن السياسة الخارجية، بل تعكس جانباً من حدودها، فالدولة المنشغلة بإدارة الأزمات والالتفاف على القيود لا تستطيع، بالقدر نفسه، تهيئة بيئة مستقرة للاستثمار والإنتاج والتحديث طويل الأجل.
والأدق ألا نسأل: كم أنفقت إيران على نفوذها الخارجي؟ فالأرقام الموثوقة لا تتوافر علناً على نحو يسمح بحكم مهني قاطع. السؤال الأهم يتعلق بكلفة الفرصة البديلة: كم من الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا تأجل، أو غادر، بسبب ارتفاع المخاطر وضعف قابلية التنبؤ؟ فإيران تملك من الموقع، والموارد البشرية، والطاقة، ما يؤهلها لأن تكون عقدة رئيسية للتجارة والصناعة بين الخليج ووسط آسيا، غير أن اقتصاد المخاطر الدائمة يقلل عائد هذه المزايا.
وتبرز الممرات البحرية مثالاً واضحاً على هذه الكلفة. فأزمة باب المندب لم تكن نتاج طرف واحد، إذ تداخلت فيها حرب غزة، وقرارات الحوثيين، والردود الدولية، وحسابات شركات الشحن. غير أن النتيجة الاقتصادية كانت ملموسة، إذ تراجعت إيرادات قناة السويس المصرية من نحو 10.25 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 3.99 مليار دولار عام 2024. ولا يمكن نسبة هذه الفجوة حصراً إلى إيران، لكنها توضح كيف يمكن لتوظيف الجغرافيا والتهديدات غير المباشرة أن يتحول إلى كلفة تتوزع على دول المنطقة والتجارة العالمية.
أما استنزاف الحضارة، فلا يعني أن دولة تفقد تاريخها أو إرثها، بل أن تتراجع قدرتها على تحويل هذا الإرث إلى أثر معاصر. فصورة الجامعة، والمدينة، والتجارة، والإنتاج الثقافي تحتاج إلى بيئة من الانفتاح والثقة والتواصل. وعندما تتقدم في الوعي الإقليمي صورة الصاروخ، والوكيل المسلح، وتهديد الملاحة على صورة الحضارة والمعرفة والثقافة، يتراجع النفوذ الناعم وتتسع كلفة الخوف.
النظام لا يمحو الحضارة الفارسية، لكنه يحدّ من قدرتها على أن تكون جسراً بين إيران ومحيطها.
تمكن النظام الإيراني من بناء نفوذ يمتلك أدوات الردع والتعطيل، ويمتد أثره إلى مفاصل جيو-اقتصادية حساسة، من مضيق هرمز إلى باب المندب، لكنه لم يحوّل هذا النفوذ إلى قيادة تنتج الاستقرار والمنفعة المشتركة. والبديل ليس إقصاء إيران، بل انتقالها من منطق الساحات والأوراق المبعثرة إلى منطق الدول والمصالح المتبادلة، عندها فقط يمكن لثقلها، الحضاري والجغرافي والاقتصادي، أن يصبح رافعة للاستقرار، لا مورداً دائماً للاستنزاف.
*باحث متخصص في القضايا الأمنية والاستراتيجية الخليجية
