قال أحد الأصدقاء عن رجل أعرفه جيداً: «المفروض الإنسان كلما كبر يعقل أكثر، لكنه كبر واستوى مجنون».
ضحك البعض. أنا لم أضحك.
هو رجل ذكي، ناجح، وصاحب تجربة طويلة. يلجأ إليه الناس حين يحتاجون إلى رأي أو نصيحة. بنى مكانته واحترامه على مدى سنوات، ثم دخل عالم السوشيال ميديا متأخراً.
دخل هذا العالم بعفويته نفسها. يقول رأيه بصراحة، يناقش بثقة، ولا يهتم كثيراً بمن يوافقه أو يعارضه. وربما كان رأيه صحيحاً في كثير من الأحيان، لكن السوشيال ميديا ليست مجلساً تعرف فيه من أمامك. هنا يقرؤك من يعرفك ومن لا يعرفك، ومن يحبك ومن ينتظر خطأك. وقد تخرج جملة من سياقها، وتصل إلى مكان لم تفكر فيه أصلاً.
كنت أظن أن ذكاءه وخبرته سيكفيانه لفهم هذا العالم بسرعة. لم يحدث ذلك.
والذي أحـــزنني أكثر أنني بدأت أرى شيئاً من الهيبة التي بناها في حياته يتآكل في العــــالم الافتراضي. أشخاص ما كانوا ليتحدثوا معه بهذه الطريقة وجهاً لوجه، صاروا يردون عليه ويجادلونه، وأحياناً يتجاوزون حدودهم معه.
ربما كانت المسافة جزءاً من تلك الهيبة. ألا تقول كل شيء، وألا تدخل كل نقاش، وألا تكون متاحاً للجميع طوال الوقت.
ولم أقل له شيئاً. لم أضحك مع الآخرين، لكنني لم أجلس معه أيضاً وأقول: انتبه، هنا القواعد مختلفة.
والدرس قيل فعلاً، لكن في غيابه.
كلما كبر الإنسان ونجح، قلّ الذين يجرؤون على تعليمه. الأب اعتاد أن ينصح، والمدير أن يقرر، والخبير أن يُسأل. ومع الوقت قد يجد الإنسان نفسه محاطاً بمن يستمعون إليه، ولا أحد يقول له ببساطة: أنت هنا مبتدئ.
وربما النضج الحقيقي أن يبقى فينا استعداد لأن نتعلم من جديد.
وإن كنا نحن الأصدقاء نضحك أو نسكت، فمن يعلّم الكبار إذن؟
