الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إلهاء وإلغاء للعقل

24 سبتمبر 2026 00:51 صباحًا | آخر تحديث: 24 سبتمبر 00:52 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
بين التطور والتخلّف تكون المسافة أحياناً أقل من خيط، ويلتحمان أحياناً لدرجة أنه يصعب على المرء التمييز بينهما، أما متى يحصل ذلك، حين يلغي المرء عقله ويستسلم للانبهار بكل ما هو جديد، تماماً مثل انجذاب فئة كبيرة من الناس للحاق بركب الترند أياً كان وبلا تفكير أو تحليل أو تدقيق في المضمون إذا كان مناسباً لهم أم لا.
شتان ما بين الترند والتقدم أو التطور، فليس كل «صرعة» يروّج لها صنّاع محتوى أو مشاهير السوشيال ميديا أو حتى المتابعون المهووسون بعالم التكنولوجيا والتيك توك والإنستغرام وغيرها.. ليس بالضرورة أن تندرج ضمن بند التقدّم والتغيير الإيجابي، وليس كل اهتمام بالدايت والنظام الغذائي والهوس بالحسابات الدقيقة للسعرات الحرارية ونسبة الألياف والبروتينات الموجودة في كل وجبة أو كل حبة فاكهة وخضار تعني أننا نجيد الاهتمام بصحتنا وأننا نمشي نحو عالَم صحي أفضل.
الفرق كبير بين التفكير بما نأكله، والانسياق بلا منطق ووعي خلف ضجيج الأنظمة الغذائية التي يروّج لها البعض أياً كان اسمها ومن أطلقها.. وبين المعلومة التي نتلقاها من مصدر حقيقي، وما يهبط علينا من عالم الخيال التكنولوجي دون أن ندري من يقف خلفه وما الغاية من الترويج له!
كل موضة تأخذ أكبر من حجمها اليوم بسبب سهولة الانتشار وكثافته وسرعته بفضل التكنولوجيا الحديثة، فتسبق العقل ولا تمنحه فرصة التفكير، والمصيبة أنها تلغي بند التحليل والتمهّل والاستيعاب لدى فئات كبيرة من الناس. كثر اعتادوا الاستسلام للمشهد، للصورة والفيديو وتصديق ما يرونه ويسمعونه كأنه مثبت ومؤكد، ويساهمون بلا وعي في إعادة نشر تلك الأفكار والمعلومات، التي أصبحت في غالبيتها تحت سيطرة الذكاء الاصطناعي، والمخيف أنك تحتاج إلى تدقيق شديد في الفيديوهات لكي تميز بين الواقعي والافتراضي، ولشدة التشابه والتقارب بينهما، تقع في الفخ بسهولة.
نحن اليوم أمام تطور كبير ينقل الإنسان إلى مرحلة الاستمتاع بالابتكار، ويسخّر التقنيات الحديثة لخدمته وتسهيل الحياة وتوفير الرفاهية والاستعداد للمستقبل بشكل أفضل.. إنما لأن الإنسان يميل دائماً إلى اختراق القواعد وافتعال الأزمات والمشاكل ويتعمد نثر بذور الشر في كل مكان، حوّل التكنولوجيا إلى وسيلة لإلهاء وإلغاء العقل، وصار الذكاء الاصطناعي لعبة بين يديه يلهو بها بلا خوف من العواقب ومن سرعة تطور تلك التكنولوجيا وتطوير الذكاء الاصطناعي نفسه بنفسه ليخرج عن السيطرة، وها هم رواد تلك الوسائل والتقنيات يدعون إلى التمهل بسبب إحساسهم بالقلق من سرعة تطور الذكاء الاصطناعي وخوفهم من عدم قدرتهم على اللحاق به أو منعه أو الحد من قدراته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة