بعد أشهر من توتر العلاقات الأمريكية الدنماركية، وأشهر من المفاوضات المعقدة، بين واشنطن وكوبنهاغن برعاية حلف الأطلسي، تم الإعلان عن اتفاق إطار، تم بموجبه السيطرة الأمريكية التامة على جزيرة غرينلاند، وتجميل صيغة الضم بصفة السيادة المطلقة للدنمارك على الجزيرة، وهي في الواقع صيغة هجينة في إطار القانون الدولي الذي ينظم ولو صورياً في معظم الأوقات وبخاصة حالياً، صيغ العلاقات بين الدول وتحديد أطرها التنظيمية.
يأتي هذا الاتفاق ليحتوي علاقة متوترة حول أكبر الجزر في العالم التي تحتوي على موارد معدنية ونفطية وغازية هائلة.
وبحسب الاتفاق المعلن، يؤمن للولايات المتحدة حقوقاً عسكرية دائمة بلا مدة محددة، وتحصل واشنطن عبره على حق دائم في الوصول إلى جزيرة غرينلاند واستخدامها للتمركز والتحليق، إضافة إلى إمكانية بناء منشآت عسكرية إضافية عندما ترى واشنطن الحاجة إليها. وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق «أبدي ولا نهاية له، كما يضمن لواشنطن إلى الأبد القدرة الكاملة على اتخاذ ما يلزم في الجزيرة، لتأمين الدفاع عن أمن غرينلاند والولايات المتحدة». كما أكد أن الاتفاق «يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الأمن وجميع الاحتياجات الأخرى»، من دون تسمية هذه الاحتياجات، لكنه أوضح أنه بموجب الاتفاق «لن يتمكن أي خصم لنا من إقامة وجود عسكري أو استثمارات حساسة في غرينلاند من دون موافقتنا». في حين وصف رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن الاتفاق بأنه «لمصلحة الجميع» ويعمل على «ضمان أمن الجزيرة».
وكان الرئيس الأمريكي قد هدد مراراً بالاستيلاء على الجزيرة، معتبراً أنها مسألة «أمن قومي»، وها هو قد وضع اليد عليها.
ومن المتوقع أن تبدأ الولايات المتحدة توسعاً عسكرياً فورياً، عبر عملية تطوير تواجد عسكري كبير في الجزء المناسب من الجزيرة، كما تعتزم واشنطن إقامة ثلاث قواعد عسكرية جديدة في جنوب الجزيرة، علاوة على قاعدة بيتوفيك الفضائية القائمة في شمالها والمنشأة وفقاً لمعاهدة الدفاع عام 1951. وتعطي الصيغة الجديدة واشنطن صلاحية بناء منشآت عسكرية إضافية بقرار أحادي، من دون الحاجة إلى موافقة غرينلاند أو الدنمارك، وهو سياق قانوني تمسك واشنطن من خلاله ما يضع يدها على كل ما تريده من دون حدود.
كما يتيح الإطار لواشنطن إغلاق الباب في وجه موسكو وبكين، وهو جوهر الاتفاق من وجهة النظر الأمريكية، فبموجبه يحظر على الدول غير الأعضاء في حلف الناتو بناء قواعد في غرينلاند، ويمنع خصومها من إجراء استثمارات قد تهدد الولايات المتحدة في غرينلاند، وبحسب المسؤولين الأمريكيين، فإن الاتفاق يمنع روسيا والصين تحديداً من نشر قوات أو إجراء استثمارات في قطاعات حساسة، ولن يتمكن أي خصم لواشنطن من إقامة قاعدة أو تواجد عسكري أو القيام باستثمارات حساسة دون موافقة أمريكية خطية صريحة.
رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدركسن خففت من حجم التنازلات التي قدمت للولايات المتحدة بقولها إن الاتفاق بشأن غرينلاند «يعزز الأمن المشترك ويراعي سيادة الدنمارك وسلام أراضيها في ظل تنامي الاهتمام الدولي الاستراتيجي بالجزيرة، وموقعها الحيوي في منطقة القطب الشمالي».
الاتفاق يضمن بشكل دائم ومحدد المصالح الأمنية الأمريكية في القطب الشمالي من دون أي كلفة على دافعي الضرائب الأمريكيين، كما أنه لا يتضمن نقل السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة، ولم يحدد له تاريخ انتهاء، بل تمت صياغته ليستمر حتى ولو أصبحت غرينلاند دولة مستقلة في المستقبل.
في الواقع يمثل الاتفاق تحولاً جيوسياسياً كبيراً للولايات المتحدة التي حصلت على كل ما تريده أمنياً وعسكرياً بلا مقابل وبلا نهاية، فيما حافظت الدنمارك صورياً على السيادة وتخلصت من عبء الدفاع، كما وجدت غرينلاند نفسها في قلب صراع القوى الكبرى، بسيادة معترف بها ورقياً، وسلطة أمريكية مطلقة على الأرض.
