مبدئياً لا تُقاس انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بوصفها حدثاً داخلياً فقط، بل بوصفها إعادة لتوزيع السلطة التي تؤثر مباشرة في إدارة السياسة الخارجية. وقد أسفرت انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 عن فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، بعد أن قلب سبعة مقاعد جمهورية في مجلس الشيوخ في ولايات مثل آيوا، وكانساس، وأوهايو، وكارولاينا الشمالية، وتكساس، وكارولاينا الجنوبية، ومين، ما شكّل انتكاسة كبيرة لإدارة الرئيس دونالد ترامب في النصف الثاني من ولايته الثانية.
وعلى الرغم من أن الكونغرس الجديد لن يتسلم مهامه رسمياً قبل الثالث من يناير/ كانون الثاني 2027، فإن النتيجة بحد ذاتها أعادت رسم موازين القوى في واشنطن، ووضعت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بخاصة الحرب مع إيران، في قلب النقاش العام. فقد أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أن 74% من الناخبين اعتبروا حرب إيران عاملاً حاسماً أو رئيسياً في تصويتهم، وأن 62% اعتبروا أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران كان قراراً خاطئاً. من هنا، نطرح سؤالاً مركزياً: هل سيؤدي الفوز الديمقراطي إلى تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أم إلى تقييدها وتعديل مسارها من دون قلبها رأساً على عقب؟
يقوم الإطار الدستوري والمؤسسي للتغيير في النظام الأمريكي على مبدأ الفصل بين السلطات، إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ومديراً للسياسة الخارجية، بينما يملك الكونغرس «سلطة المحفظة» والرقابة والتشريع. ولذلك، فإن فوز الديمقراطيين لا يعني انتقالاً تلقائياً لصنع القرار الخارجي من البيت الأبيض إلى الكابيتول، بل يعني نشوء نظام «حكومة منقسمة» تتعايش فيه رئاسة جمهورية مع أغلبية ديمقراطية معارضة.
وبالتالي، سيظل الرئيس يتمتع بهامش كبير من الحرية في الشؤون الخارجية، لكنه سيصبح أكثر تقييداً على صعيد الرقابة والتحقيقات. فالديمقراطيون يستطيعون عقد جلسات استماع، وطلب إحاطات من الإدارة، وفرض شروط على تمويل العمليات العسكرية عبر قانون تفويض الدفاع الوطني، والسعي إلى التصويت على قرارات سلطات الحرب، لكن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين، وهو ما لا يملكونه. وبالتالي، فإن الأثر المتوقع هو أثر تقييدي وتدريجي، لا أثراً انقلابياً.
ويشكل الملف الإيراني المحور الأهم في هذا التحوّل. فقد بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط 2026، وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى، واستهداف البنية النووية والعسكرية الإيرانية، قبل أن يتوسط وقف إطلاق نار هش بوساطة باكستانية ومذكرة تفاهم في يونيو/ حزيران. ومع ذلك، بقيت الخلافات حول البرنامج النووي والعقوبات والسيطرة على مضيق هرمز من دون حل، وتجدّد التوتر في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني بعد ضربات أمريكية محدودة على جزيرة قشم.
ومع ذلك، لن يتمكن الديمقراطيون من فرض وقف فوري للحرب. فالرئيس يحتفظ بقدرة على التحرك العسكري المحدود، لذلك، فإن السيناريو الأرجح هو انتقال من منطق التصعيد المفتوح إلى منطق الاحتواء المشروط، مع فتح نافذة أوسع للمفاوضات.
ويمثل فوز الديمقراطيين تحولاً نوعياً في المزاج السياسي داخل الحزب تجاه إسرائيل، فصعود وجوه ديمقراطية جديدة تنتقد بشدة السياسة الإسرائيلية، مثل السيناتور المنتخب عن ميشيغان عبد الإله السيد الذي دعا إلى وقف استخدام الضرائب الأمريكية لتمويل الحرب، يعكس تحولاً جيلياً داخل الحزب، حتى لو بقي هذا التيار أقلية داخل المؤسسة الديمقراطية.
ومن الناحية العملية، لن يؤدي ذلك إلى إنهاء التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي، لكنه سيؤدي إلى ما يمكن تسميته «الدعم المشروط».
وخلاصة القول، أن فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات 2026 لا يمثل نهاية للسياسة الخارجية الأمريكية في الشـــــرق الأوسط، كما عرفناها في عهد ترامب، بل يمثل بداية مرحلة «الكبح المؤسسي». فالــــرئيس سيحتفظ بسلطــــاته التنفيذية، لكنه سيعمل في بيئة تشريعية معادية، تجبره على تبرير كل خطوة.
